تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

وفي حياة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أمثلةٌ كثيرة على هذا العطاء؛ فهذا حديث البُخاري: عَن الأسْوَد قالَ: سَألْتُ عَائِشَةَ: ما كانَ النَّبِيُّ - صلَّى اللَّهُ عَليْه وسلَّم - يصْنَعُ في أهْلِه؟ قالَتْ: "كانَ في مِهْنةِ أهْلِه، فإذا حَضَرَت الصَّلاةُ قامَ إلى الصَّلاة"؛ كتاب الأدب، باب: كيف يكون الرَّجُل في أهله؟

وجاء في شرح ابن حجر: قَوْله: "في مِهْنة أهْله": المِهْنة بِكَسْرِ الميم وبِفَتْحِها، وأنْكَرَ الأصْمَعِيُّ الكَسْر، وفسَّرَها هُناكَ بِخِدْمةِ أهْله .... وقَدْ وَقَعَ في حَديث آخَر لِعائِشة أخْرَجَهُ أحْمَد وابْن سَعْد، وصَحَّحَهُ ابْن حِبَّان، مِن رِواية هِشام بْن عُرْوَة عنْ أبِيه: قُلْت لِعائِشَة: ما كانَ رَسُول اللَّه - صلَّى اللَّه عَليْهِ وسلَّم - يَصْنَع في بَيْته؟ قالَت: "يَخِيط ثَوْبه، ويَخْصِف نَعْله، ويَعْمَل ما يَعْمَل الرِّجال في بُيُوتهم".

وفي رِواية لابْنِ حِبَّان: "ما يَعْمَل أحَدُكُمْ في بَيْته"، ولَهُ ولأحْمَد مِنْ رِوايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَة عَن عائِشة: "يَخْصِف نَعْله، ويَخِيط ثَوْبه، ويُرَقِّع دَلْوه".

ولَهُ مِنْ طَرِيق مُعاوِية بْن صَالِح، عَنْ يَحْيَى بْن سَعيد، عَنْ عَمْرة عَن عَائِشة، بِلَفْظ: "ما كانَ إلاَّ بَشَرًا مِن البَشَر، كانَ يُفَلِّي ثَوْبه، ويَحْلُب شاته، ويَخْدُم نَفْسه".

وأخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ في "الشَّمَائِل" وَالبَزَّارُ، وقالَ: ورُوِيَ عَن يَحْيَى عَن القاسِم عَن عائِشة، ورُوِيَ عَن يَحْيَى عَن حُمَيْدٍ المَكِّيِّ عَنْ مُجَاهِد عَن عَائِشة، وفي رِواية حارِثَة بْن أبي الرِّجال عَن عَمْرَة عَن عائِشة عِنْدَ أبي سَعْد: "كانَ ألْيَن النَّاس، وأكْرَم النَّاس، وكان رَجُلاً مِن رِجالكُمْ إلاَّ أنَّهُ كان بسَّامًا".

قالَ ابْن بَطَّال: مِن أخْلاق الأنْبِياء: التَّوَاضُع، والبُعْد عَن التَّنَعُّم، وامْتِهَان النَّفْس لِيسْتَنَّ بِهِم ولئَلاَّ يَخْلُدُوا إلى الرَّفَاهِيَة المَذْمومة، وقَدْ أُشِيرَ إلى ذَمِّهَا بِقَوْلِه تَعالى: {وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً} [المزمل: 11] ". اهـ. من "فتح الباري".

وأهمّ شيءٍ في هذه العام الأوَّل هو هذا الإدراك، ومُحاولة كلّ واحدٍ التقرُّب إلى الآخر باللُّطْف والتلطُّف، والتَّنازل تارةً والنِّقاش تارةً، مع مُراعاة كلٍّ منهُما للتوتُّر الَّذي يصحب هذه الفترة التي هي انتِقال من اللاَّمسؤوليَّة أو المسؤوليَّة النَّاقصة، إلى مسؤوليَّة كاملة بغير قيْدٍ ولا شرط.

لوِ استشعر كلُّ واحد هذا الانتِقال، وأحسَّ برفيقِه وتفهَّم هذه المسألة، لانخفضَ عددُ المشاكل إلى النِّصْف، لكنَّ ثقافة شَباب اليوم جعل أقْرب الحلول الطَّلاق والمفارقة، وسرعة الخطأِ في اللَّفْظ وفحشه.

ولو عاهدَ كلٌّ منهما نفسَه قبل رفيقه على إزالة كلِمة (طلاق) من ذِهْنِه، وأنَّ هذا الرَّفيق هو رفيق العمر، وهذا البيْت هو بيته ومستقرُّه في الدُّنيا، مع شفقة كلٍّ منهُما على الآخر لَحافَظَ كلٌّ منهُما على مشاعر رفيقِه ورهافة حسِّه، وابتعدَ عن الفحشِ في القوْل والإهانة في الفعل.

وانظر إلى هذا الحديث:

عَن المِقْدامِ بن مَعْدِي كَرِب - رضِيَ الله عَنْه -: أنَّ رَسولَ اللهِ - صلَّى اللَّهُ علَيْه وسلَّم - قامَ في النَّاسِ، فحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عليْه، ثُمَّ قال: ((إنَّ اللَّهَ يُوصِيكُم بِالنِّساءِ خَيْرًا، إنَّ اللَّهَ يُوصِيكُم بِالنِّساءِ خَيْرًا، فإنَّهُنَّ أُمَّهاتُكُمْ وبَناتُكُمْ وخالاتُكُمْ، إنَّ الرَّجُلَ مِن أهْلِ الكِتابِ يَتَزَوَّجُ المَرْأةَ وما تُعَلِّقُ يَداها الخَيْطَ، فما يَرْغَبُ واحِدٌ مِنْهُما عَنْ صاحِبِه حَتَّى يَمُوتا هَرَمًا))؛ أخرجه الطبراني (20/ 274 رقم 648)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (18/ 45 /1 - 2)، وصحَّح الألبانيُّ سنده في "إرْواء الغليل" (7/ 42)، وفي "السلْسلة الصحيحة" (6/ 873).

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير