تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ونقرأ قوله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ... ) فنجد الفعل الأول يشير إلى الفاعل المؤنث، وهو ((أمة))، والفعل مبدوء بتاء المضارعة، وليست هذه التاء إلا علامة تطابق بين الفعل والفاعل. وفي هذا نظر إلى الشكل يبدو في المطابقة، ويلي الفاعل فعل مسند إلى ضمير الجمع المذكر، وهو الواو في ((يدعون)). وهذا يعني أن المطابقة قد زالتن وأن مجيء الفعل على ما جاء عليه يشير إلى مراعاة المعنى، وهو النظر إلى المعنى، و ((الأمة)) جماعة من الناس غُلّب عليها التذكير. وعلى هذا جاءت مراعاة المعنى، كما جاءت مطابقة اللفظ، وإن كانت مراعاة اللفظ أكثر وروداً في العربية كما دلّ الاستقراء في آيات عدة وردت فيها كلمة ((أمة)).

وقد روعي التأنيث في ((أمة))، ولو فُصل بينها وبين الفعل فصال هو مذكر في لفظه، وهو الفاعل في ترتيب الجملة النحوية كقوله تعالى: ( ... وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجاءوا بالباطل). إن الفاعل للفعل ((همّت)) هو ((كلّ)) وهو كلمة مفردة مذكرة باعتبار اللفظ، وإن كانت جمعاً في المعنى، وقد روعي الشكل في هذا البناء النحوي، كما روعي المعنى في الاسم والفعل الذي وَلي ((أمة))، وهذا كله من خصائص لغة التنزيل.

2 ـ بَشَر:

جاءت ((بَشَر)) في قوله تعالى: (قالت رب أنّى يكونُ لي ولد ولم يمسسني بشر).

أقول: لابد أن نعرض لدلالة ((بَشَر)) ليتأتّى لنا أن نقول في مراعاتها والنظر إليها. وهي في هذه الآية تعني ((الرجل))، وهي على هذا مفرد مذكر، وكذلك جاءت مراعاةً للمعنى.

وجاءت في قوله تعالى: (بل أنتم بشر ممن خَلَق يغفر لمن يشاء ... ).

وهي هنا جمع مذكر بدلالة الضمير ((أنتم)).

3 ـ بعض:

إن الكلام على ((بعض)) مفيد، فقد تكلم فيها المعنيون بهذه اللغة القديمة الشيء الكثير، فمنهم مَن قَصَر دلالتها على الواحد، وفي هذا مراعاة للشكل، ذلك أن لفظ ((بعض)) هو الإفراد والتذكير. ومنهم مَن صرفها إلى الجمع، وكأن هؤلاء قد لمحوا فيها ما لمحوه في ((بضع)) ودلالة هذه الأخيرة على الثلاثة إلى العشرة.

ولنعد إلى استقراء ((بعض)) في لغة التنزيل فنقول: إنها جاءت للدلالة على الواحد كقوله تعالى:

(ولولا نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه) والدلالة واضحة بدلالة الفعل اللاحق ((فقرأه)) وفي هذا فائدة لغوية أخرى هي النظر إلى ((الشكل))، والشكل هنا هو اللفظ، وليس ((المعنى)) الذي هو إفادة الجمع. ومثل هذا قوله تعالى: (وإذا أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً فلما نبأت به).

وقد يحمل ((بعض)) على الواحد دلالة معنوية، فيكون في ذلك مراعاة للشكل، وهو اللفظ المذكر الواحد، ولكنه على الرجحان لا القطع كما في قوله تعالى: ( ... وألقَوه في غيابة الجُب يلتقطه بعض السيارة)، و ((بعض السيارة)) أحدهم استرجاحاً.

والكثير في ((بعض)) في كلام الله ـ عزوجل ـ دالّ على الجمع استرجاحاً، وفي ذلك يتحقق النظر إلى المعنى كقوله تعالى: ( ... إن تقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء)، وإذا كنت استرجح دلالة الجمع ففي دلالتها على الواحد قبول، و ((بعض الآلهة)) قد يكون جمعاً، وقد يكون واحداً، وفي كليهما ضرب من النظر يقوم إما على مراعاة الشكل أي اللفظ، وإما على مراعاة المعنى وهو الجمع.

(تلك الرسلُ فضلنا بعضَهم على بعض ... ).

(وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء مَنّ الله عليهم).

ودلالة الجمع تتحقق من المعنى، وقد يأتي مستفادة من قرينة دالة كقوله تعالى:

(والذين كفروا بعضهم أولياء بعض).

(وأقبل بعضُهم على بعض يتساءلون).

وقد تأتي ((بعض)) مكررة دالة على الواحد استرجاحاً، نحو قوله تعالى:

(وإن كثيراً من الخُلَصاء يَبغي بعضهم على بعض).

( ... خصمان بَغَى بعضُنا على بعض فاحكم بيننا بالحق).

وجملة هذه الآيات تكشف عن أن ((بعض)) مفرد في لفظه، فروعي هذا في آيات، وجمع في معناه فروعي هذا في آيات أخرى.

4 ـ جبل:

و ((الجبال)) جمع ((جَبَل)) وقد روعيت في لغة التنزيل على أنها مؤنث، ولكن هذا المؤنث مع صفته الدالة على الجمع كان له مع الفعل نمط خاص، فهو فعل لحقته تاء التأنيث التي تلحق الفعل إذا كان الفاعل مؤنثاً مفرداً، ومثله نائب الفاعل، كقوله تعالى:

(ولو أن قرآناً سُيّرت به الجبال ... ).

ومثل ذلك إذا ابتدئ بها فجاء الفعل بعدها واقترنت تاء التأنيث كقوله تعالى:

( ... وإذا الجبال نُسفَت).

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير