تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

فلما تفرعت القبائل أخذا اللهجات تتنوع، والعرب إنما تهجم بهم طبائعهم على حقائق الكلام، وبذلك لا بد أن تكون قد تعددت طرق الوضع في اللغة، بطول المدة واتساع الاستعمال، وتقليب الكلام، ومن ثم نشأت اللغات الكثيرة التي تشير إلى تاريخ هذا التنوع لأنها مادته الحقيقة. وكانت العرب يأخذ بعضها عن بعض بالمخالطة والمجاورة، فربما انتقل لسان العربي عن لغته إلى لغة قبيلة أخرى، وربما تداخلت اللغات فنشأت من اللغتين لغة ثالثة. على أنهم في ذلك لا يخرج كل منهم عن قياس نفسه ووزن طبعه ... ومن هذه الجهة نشأ بينهم التنافس في إحكام اللغة، والمفاخرة بالبيان، وانحراف اللسان عن الشذوذ الذي يعتبرونه خِلْقيًا في الألسنة الشاذة. وساعدتهم على ذلك مواقعهم، وأيامهم، وأسواقهم، التي يقصدونها للتسوق والبياعات والمنافرة، والحكومة، وغيرها مما هو من طبيعة المخالطة. وهذا هو الدور الثاني من أدوار تهذيب العربية.

(الطور الثالث):

أما هذا الدور فقد كان من عمل قريش وحدها، بعد أن كان الثاني عمل القبائل جميعًا، وذلك أن قريشًا سكنت مكة التي هي مهوى أفئدة من الناس، وكانت الكعبة التي شرفها الله، ِوجهة العرب وبيت حجهم قاطبة في الجاهلية، فكانت القبائل تحج إلى هذا البيت كل عام ويختلطون بالقرشيين. فكان قريش يسمعون لغاتهم، ويأخذون ما استحسنوه فيه فيديرون به ألسنتهم، ولو كانوا بادين كسائر القبائل ما فعلوه. فلما اجتمع لهم هذا الأمر ارتفعت لغتهم عن كثير من مستبشع اللغات ومستهجنها، وبذلك مرنوا على الانتقاد حتى رقت أذواقهم، وسمت طبائعهم، وقويت سلائقهم، وحتى صاروا في آخر أمرهم أجود العرب انتقاء للأفصح من الألفاظ، وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعًا وأبينها إبانة عما في النفس.

ومن أكثر ما عضَّد هذا الرقي، الأسواق التي كانت تقيمها العرب في أشهر من السنة، وهي كثيرة، ومن أعظمها سوق عكاظ، وهو سوق كانت تحضره القبائل كلها، فتقوم أسواقهم، ويتناشدون فيه ويتحاجون لأنه مشهد القبائل كلها. وفي هذه السوق كان يخطب الشاعر الفحل بقصيدته، والخطيب المصقع بكلمته. وفيها ضُرب للنابغة الذبياني قبة من أدم ليتحاكم إليه الشعراء في أيهم أشعر. وقد أنشده فيها الخنساء وحسان بن ثابت – رضي الله عنهما-، في قصة مشهورة ذكرتها كتب الأدب.

أن حسان أنشد الخنساء فقال:

لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى = وأسيافنا يقطرن من نجدة دما

ولدنا بني العنقاء وابن محرق = فأكرم بنا خالًا وأكرم بنا ابنمافقالت الخنساء: ضعّفت افتخارك وأبرزته في ثمانية مواضع، قال: وكيف؟ قالت: قلت:"لنا الجفنات" والجفنات مادون العشر، فقللت العدد، ولو قلت"الجفان" لكان أكثر. وقلت:"الغر" والغرة البياض في الجبهة، ولو قلت:"البيض" لكان أكثر اتساعًا. وقلت:"يلمعن" واللمع شيء يأتي بعد الشيء، ولو قلت:" يشرقن" لكان أكثر لأن الإشراق أدوم من اللمعان. وقلت:"بالضحى" ولو قلت:"بالعشية" لكان أبلغ في المديح لأن الضيف بالليل أكثر طروقًا. وقلت:"أسيافنا" والأسياف دون العشرة، ولو قلت:"سيوفنا" لكان أكثر. وقلت:"يقطرن" فدللت على قلة القتل، ولو قلت:"يجرين" لكان أكثر لانصباب الدم. وقلت:"الدم" والدماء أكثر من الدم. وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدوك! اهـ.

ولا يخفى أن مثل هذا الاجتماع العام، حالة من أحوال الحضارة، ولذلك اقتضى الصناعة اللسانية، فكان العرب يرجعون إلى منطق قريش. كما أن هؤلاء يبالغون في انتقاد اللهجات وانتقاء الأفصح منها.

هذا أثر قريش في تهذيب اللغة، وبلغتهم نزل القرآن الكريم، فتكونت به الوحدة اللغوية في العرب، ومنع لغتهم على الدهر أن تضمحل أو تتشعب فتصير إلى ما انتهت إليه لغات الأمم من تباين اللهجات واختلاف مناحي الكلام.

" وكما أن الذي أُنزل عليه القرآن نبي العرب، فالقرآن نبي العربية، بحيث لا تجد من فضلٍ لرسول الله – صلى الله عليه وسلم- على الأنام، إلا وجدت فضلًا في معناه لكلام الله في الكلام " مصطفى الرافعي.

يتبع ..

زينب محمد

ـ[مصطفى السامرائي]ــــــــ[17 - 07 - 2007, 02:33 م]ـ

بوركت أختنا زينب فيما نقلت وجزاك الله خيرا ... وننتظر منك المزيد وفقك الله

ـ[~*¤®©™§ [عاشقة القوافي] §™©®¤*~]ــــــــ[17 - 07 - 2007, 03:15 م]ـ

بارك الله فيك أختي زينب

على هذا العرض الجيد وننتضر الأطوار الأخرى.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير