تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

النصارى "الصيع"، كما يقال عندنا في مصر وعذرا على قبح اللفظ فهو أقل ما يوصف به أفراد تلك الميليشيا الخائنة، بلغ عددهم نحو 2000، تماما كما تعاونت الميليشيات الطائفية السوداء مع الجيش الأمريكي ولكن تعاونها كان على نطاق أوسع بكثير من نطاق المعلم يعقوب. واستمر نابليون في نفاقه، فاحتفل مع الصوفية بالمولد النبوي، وأظهر التعظيم لدين الإسلام، وهو يسعى في الخفاء إلى نزعه من قلوب المصريين حتى فطن إليه الشيخ الشرقاوي، رحمه الله، الذي وضع يده على مكمن الداء، وهو سعي نابليون جاهدا إلى فرض مشروعه الفكري العلماني على مصر في مقابل حجب المشروع الإسلامي عن بلده، مع أنه يدعي حب الإسلام ويكيل له الثناء كيلا فما الذي يمنعه إذن من نقل الإسلام الصحيح، وليس الإسلام الذي يدرس في "السوربون"، ما الذي يمنعه من نقله إلى فرنسا ولو على سبيل الدراسة والنقد؟!!!. وخرج نابليون بعد فترة قصيرة من مصر نتيجة تداعيات تلك المرحلة، ولكن محمد علي جاء بعده ليكمل ما بدأه تحت شعار: "عصر النهضة"!!!، وشيئا فشيئا تسللت العلمانية بكل صورها: السياسية والتشريعية والاقتصادية والأخلاقية إلى نفوس المصريين، حتى صار الدين رسوما ظاهرة لا وجود لها على أرض الواقع، وهو ما نعاني منه اليوم، فما نحن فيه ليس نتاج يوم وليلة، وإنما نتاج نحو 200 سنة من العمل الدؤوب: ففرنسا وضعت حجر الأساس ومحمد علي وأحفاده، باستثناء الخديوي عباس الذي ظلمه المؤرخون، واصلوا البناء، وبريطانيا أنجزت المهمة فلم تخرج جيوشها إلا بعد أن تأصلت العلمانية في نفوس المصريين.

ورغم ذلك لم تكن التجربة البريطانية في مصر بقسوة التجربة الفرنسية في الجزائر، فإن البريطانيين، وإن حرصوا على حرب الإسلام، إلا أنهم ليسوا مغرمين بفرض ثقافتهم على الآخرين، فاستعمارهم عسكري بالدرجة الأولى، ولذلك لم تتأثر لغة المصريين بلغتهم تأثر الجزائريين بلغة الفرنسيين، وقد أتيح لهم في الجزائر ما لم يتح لهم في مصر، فجثموا على صدور الموحدين نحو: 130 عاما، استعملوا فيها الذراع العسكرية التي أبادت قبائل مسلمة بأكملها، وذكر بعض المؤرخين المعاصرين من جرائمهم في حق النساء والأطفال ما يندى له الجبين، فقد بِيع الموحدون في أسواق النخاسة الأوربية، وقطعت الأيدي والآذان لينتهب ما عليها من أساور وأقراط، فكانت تباع وقد اختلطت بأشلاء أصحابها، واستعملوا فيها الذراع الثقافي، فضعفت عربية أهل الجزائر، لا سيما في مناطق القبائل التي سعى الفرنسيون إلى غرس بذور الشقاق بين أهلها من البربر، وبقية سكان الجزائر من العرب، مع أن الجامعة الإسلامية قد وحدت بينهم، فكان لا بد من استبدالها بولاءات أخرى من قبيل: الجامعة العربية، والجامعة الأمازيغية على طريقة: فرق تسد!!!.

وفي أثناء ذلك ظهرت حركات المقاومة، في مقابل حركات المخذلين من عملاء الاستعمار فضلا عن أرباب التصوف الذين خدروا عقيدة الولاء والبراء في نفوس كثير من الشعوب الإسلامية اللهم إلا جيوبا منهم لم تستسلم للمحتل الغازي فحملت السلاح دفعا له، فظهر الأمير عبد القادر، على ما في طريقته من مآخذ لا سيما في الجانب الفكري، وظهر مجدد الأمة الجزائرية الشيخ المجاهد المربي العلامة وقل ما شئت من أوصاف الثناء: الشيخ عبد الحميد بن باديس، رحمه الله، سليل أسرة باديس التي كسرت شوكة العبيديين من الإسماعيلية الباطنية زمن المعز بن باديس، رحمه الله، وكأن الله، عز وجل، قد اختار هذه الأسرة لتجدد ما اندرس من معالم الملة في أرض الجزائر، وكان مشروعه تربويا منهجيا في المقام الأول فتجنب الصدام العسكري المباشر مع الفرنسيين لئلا تخوض الدعوة الوليدة صراعا غير متكافئ لم يحن أوانه بعد، فكان كما يقول أحد الكتاب: معنيا ببناء الإنسان الجزائري المسلم، ليواجه المحتل الفرنسي في مرحلة تالية لم يشهد الشيخ، رحمه الله، جني ثمرتها باستقلال الجزائر، وهو صاحب المقولة الشهيرة: الإسلام ديننا والعربية لغتنا، ولكن العلمانيين في الجزائر، نجحوا في سرقة هذا النصر، فحصدوا ثمرته، مع أن أصوله إسلامية محضة، وتوالت الأحداث، فاستولى العسكر على الحكم، إما بشكل مباشر، أو غير مباشر، كما هو مشاهد اليوم، وما استولى العسكر

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير