تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

وأعظم معنى ينبغي أن يستقرَّ في القلوب فلا يفارقها، وأن يتذكره العباد فلا ينسونه ولا يغفلون عنه هو ربوبية الله تعالى وألوهيته، فشُرع التذكير به في كل جمعة بأنْ كان من السنن في صلاتها قراءة هاتين السورتين، فحري بمن أرعى سمعه لهما، ووعاهما قلبه، وتدبر في معانيهما أن ينتفع بذلك انتفاعاً عظيماً، فيزداد لله تعالى إجلالاً وتعظيماً.

هذا؛ ومعرفة عظمة الرب جل جلاله تقود إلى عبوديته، والإخلاص له، والتعلق به، والتوكل عليه، فيزداد إيمان العبد، ويواجه الحياة وشدتها وهمومها بقلب عامر بالإيمان، ثابت باليقين، قوي بالتوكل، لا تزعزعه الخطوب والمدلهمات.

والناس في الدنيا مؤمن وكافر .. برٌ وفاجر .. أصحاب جنة وأصحاب سعير، وكل واحد من الناس لا بد أن يكون من أحد الفريقين؛ إذ لا دار ثالثة في الآخرة لفريق ثالث، وإنما هما الجنة والنار، ولكل منهما أهلها، وهذا التقسيم الرباني للناس نجد التذكير به في السورتين جميعاً [سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى] {الأعلى:10 - 11}. والمعرض عن دين الله تعالى، الشقي باتباع هواه في الدنيا متوعد بعذاب أكبر يوم القيامة حُكي في السورتين [وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الكُبْرَى * ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا] {الأعلى:11 - 13} وفي الغاشية [إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللهُ العَذَابَ الأَكْبَرَ] {الغاشية:23 - 24} فكان الناس على فريقين: متذكر ومعرض .. قسم يخشى، وآخر يشقى، فيوجل قلب المؤمن أن يكون من أهل الشقوة، ويعمل بعمل أهل الخشية.

وإذا كانت سورة الأعلى قد ذُكر فيها وصف الفريقين في الدنيا بأن أحدهما أهله أهل خشية، والآخر أهله أهل شقوة، فإن في سورة الغاشية ذكر لمآل هذين الفريقين؛ إذ بدئت السورة بذكر يوم القيامة؛ لأن أثر هذه القسمة سيكون فيه [هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ] {الغاشية:7} فمن ذُكِّر بهذه الأوصاف يوم الجمعة اضطرب قلبه، واقشعر جلده، وخشي أن يسلك هذا المسلك الوبيء، وخاف أن يكون من هذا الفريق، وحاذر أن يعمل بعمل أهله؛ لعلمه أنه لا طاقة له بهذا العذاب الأليم.

وحين يسمع المصلي وصف أصحاب الفريق المؤمن، وما أعد الله تعالى لهم في الجنة من النعيم المقيم فإنه يطمع في أن يكون منهم، ويرجو أن ينتظم في سلكهم، فيسعى سعيهم، ويجانب ما يحجزه عنهم، ونجد هذه الأوصاف مفصلة في سورة الغاشية [وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ] {الغاشية:8 - 16}.

والمؤمن حين هداه الله تعالى للدين القويم، ومنَّ عليه بالصراط المستقيم، وذاق حلاوة الإيمان التي لا تعدلها حلاوة مهما كانت فإنه يحب هذا الخير للناس أجمعين، ويرجوه لهم، ويدعوهم إليه، ويدلهم عليه، فكانت الدعوة إلى دين الله تعالى هي أهم المهمات بعد الإيمان والعمل الصالح، ونجد أن السورتين كلتيهما قد جاء فيهما الأمر بالدعوة، مع بيان أن الداعي عليه البلاغ، وليست له الهداية، بل الله تعالى يهدي من يشاء؛ حتى لا ييأس حين لا يستجيب له المدعوون، بل يمضي في الدعوة والبلاغ والتذكير؛ طاعة لله تعالى، ومحبة للناس، ولو لم يتبعه أحد، ونجد في سورة الأعلى قول الله تعالى [فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى] {الأعلى:9} وفي سورة الغاشية [فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ] {الغاشية:21 - 22}.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير