تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ومنه الحديث: (سأخبركم بأول أمري، دعوة أبي إِبراهيم وبشارة عيسى)، دعوة إبراهيم عليه السلام قوله تعالى: (رَبّناَ واَبعَث فِيهم رَسُولاً مَّنهُم يَتلُواْ عْلَيِهم آيَاتك َ) (البقرة:129)، وبشارة عيسى عليه السلام قوله تعالى: (وَمُبَشراً بِرَسُولٍ يأتي من بَعدِي اسمُهُ أَحمًد ُ) (الصف:6).

وفي حديث معاذ رضي الله عنه لما أصابه الطاعون قال: (ليس برجز ولا طاعون، ولكنه رحمة ربكم، ودعوة نبيكم صلى الله عليه وسلم)، أراد قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم اجعل فناء أمتي قتلاً في سبيلك بالطعن والطاعون) (رواه الإمام أحمد، الطبراني).

و دعوت الله له بخير وعليه بشر.

والدعاء واحد الأدعية.

هذا هو معنى الدعاء ودلالته في اللغة والاستعمال.

وقد بلغت العربية في أسلوب الدعاء مبلغاً، قل أن نقف على نظيره في سائر اللغات القديمة.

قلت: (اللغات القديمة) لأخصص أن هذا الأسلوب في صوره ودلالاته خاص بالعربية القديمة، وأن العربية المعاصرة، قد خلت من هذه الصور البيانية التي تبرز في أساليب الدعاء، والأساليب الأخرى. ألا ترى أن هذه العربية الجديدة قد خلت من (المثل) وإن كل ما يتمثل به المعربون أحياناً هو مثل قديم استعير لمطالب الحياة الجديدة في بعض الأحايين. وقد يقال: إن اللغات في عصرنا غير محتاجة إلى هذه الألوان الفنية، لأن حاجات جديدة قد جدت، صرفت المعربين إلى أن يجدوا في اللغة ما يفي بها.

ومن هنا كانت دراسة الأساليب القديمة، والوقوف عليها، شيئاً يدخل في معرفة تاريخ هذه اللغة العريقة.

قالوا: الدعاء ينصرف للخير، كما ينصرف للشر، وقد يدرك هذا أحياناً باستعمال الأداتين: (اللام) في الخير، و (على) في الشر فيقال: أدعو لك، وأدعو عليك.

ويتجاوز استعمال هاتين الأداتين أسلوب الدعاء إلى أسلوب الخبر، فينصرف كذلك إلى الخير والشر فيقال مثلاً: يوم لنا، ويوم علينا، وقد بقي في استعمال (على) شيء من هذا الجنوح إلى الشر (1). ولعل من أجل ذلك، عيب قول أبي تمام في مطلع قصيدته البائية:

على مثلها من أربع وملاعب أذيلت مصونات الدموع السواكب

قلت: إن الأدب القديم، قد حفل بكثير من فنون الدعاء، ولنعرض لذلك فنقول: تختلف جمل الدعاء في العربية، فهي قد تبدأ بالفعل، وقد تبدأ بالاسم المرفوع، وقد تبدأ باللام ومدخوله، وكثيراً ما يأتي معنى الدعاء في عبارة صدرت بالمصدر المنصوب.

فمما بدئ بالفعل قولهم: هديت خيراً (بالبناء للمفعول)، ولقيت خيراً، وصادفت رشداً، ووقيت الشر، وسهل الله عليك، وفرج الله عنك، كل ذلك وغيره مما يتقرب به، دعاء. لك أن تتسع هذا، فتنشئ ما تريد مما ترمي به إلى الخير مفصحاً عن رغبتك في ذلك، فيؤدي الدعاء، كأن تقول: هداك الله، وبلغت مرادك، ووفقك الله.

ومثل هذا ما ينصرف إلى الشر إرادة الدعاء نحو: عدمت خيراً، ولقيت شراً، وقاتلك الله، ولعنك الله، وغير ذلك.

ومن هذا ألفاظ التصلية، والتسليم، والرحمة، والرضوان، على النبيين والأولياء وسائر الصالحين، فنقول في (الصلاة والسلام) على نبينا محمد: صلى الله عليه وسلم.

ونقول: عيسى وموسى وسائر الأنبياء: عليهم السلام.

ونقول: ومن حديث علي رضي الله عنه، وقد ورد أيضاً كرم الله وجهه.

ونقول: وكان عثمان بن عفان- رضي الله عنه.

كما نقول: ومما أثر عن الإمام الشافعي وأضرابه: رضي الله عنهم.

وقد تبدأ عبارة الدعاء بالاسم المرفوع نحو:

ورحمة الله عليه، ورضوان الله عليه، وسلام الله عليه ...

كما نقول: لعنة الله عليه (1) وقد يعطف عليه كقولهم: لعنة الله وغضبه عليه.

وقد يؤخر المرفوع، فيبدأ باللام ومدخوله نحو:

لك الحمد ولك الخير ولك السعد.

كما نقول: لك الله، قال المتنبي في رثاء جدته:

لك الله من مفجوعة بحبيبها قتيله شوق غير ملحقها وصما

كما يقال: لك الويل، قال الفرزدق:

لك الويل لا تقتل عطية إنه أبوك ولكن غيره فتبدل

وقد ترد عبارة الدعاء مصدرة بـ (لا) النافية بعدها فعل ماض

نحو: لا فض فوك، في استحسان قول أحدهم، كأنه قيل، أحسنت.

والمعنى: لا تكسر أسنانك، والفم ههنا الأسنان، كما يقال:

سقط فوه، يعنون الأسنان.

وقد ترد العبارة بالفعل المضارع: لا يفضض الله فاك.

ومن ذلك حديث النابغة الجعدي لما أنشد الرسول الكريم القصيدة الرائية

قال: فعاش مائة وعشرين سنة لم تسقط له سن.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير