تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

لكن تقلب المزاج هذا أفاد شعره من ناحية أخرى؛ فقد فتح له أبواباً جديدة للمعاني، وفتح أمامه المجال لتفتيق كثير منها واستخراج دفائنها، عن طريق عرض المعنى وضده في آن معاً.

وعُرف عن ابن الرومي تطيُّرُه الشديد، فكانت خواطره تتداعى بسرعة عجيبة في أثناء تطيره من الشيء، فيُديم النظر فيه من كل جوانبه، ويقلبه على وجوهه كلها بحثاً عن شر متوقع. وهو في أثناء بحثه يَعْثُر على موضوعات جديدة، فيتوقف عندها، وينسى ما كان قد شرع به من قبل.

فالشجر اليابس أو الذي لا ثمر له مشهد نراه جميعاً فلا يحرك فينا شيئاًَ سوى الشعور بالجفاف وانعدام الحياة، لكن الأمر عند ابن الرومي مختلف بسبب تطيره وتداعي خواطره وتقليبه الشيء على مختلف وجوهه، فقد رأى في هذا الشجر اليابس شيئاً عديم النفع، فليس له ظِلٌّ ينفع وقت الظهيرة، ولا ثمرٌ لِمُجْتَنٍ، ولا نَفْعٌ لحاطِبٍ، ولا عُشٌّ لطير. وإلى هنا يبدو الموقف من هذا الشجر مقبولاً، لكن ابن الرومي يتوجس الشر من هذا الشجر اليابس، فيظن أن بين أشواكه أفاعي ستعضه لو اقترب منه، لذا ابتعد عنه داعياً عليه بالموت وبألا يُسْقَى من ماء السحاب: ([22])

أيا شجراً بين الرَّسيْسِ فَعَاقِلٍ مَنَحْتُكَ ذَمِّي صادِقاً غيرَ كاذبِ

نَدَيْتَ ولم تُوْرِقْ ولستَ بِمُثْمِرٍ فكنْ غَرَضاً مُسْتَهْدَفَاً للنَّوائِب

فما فيكَ مِنْ ظلٍّ لِغُلِّ ظَهيرةٍ وما فيكَ مْنْ جَدْوّى لجانٍ وحاطِب

وفيكَ على حِرْمانِكَ الخيرَ كلَّهُ مِنَ الشَّوكِ ما لا وَكْنَ فيه لآئِب

وأَحْسَبُ ذاكَ الشَّوْكَ لاشَكَّ بينَه أَفاعٍ فلا أُسْقِيْتَ صَوْب السَّحائِب

فانظر كيف أحال ابن الرومي هذا المشهد العادي إلى لعنة يصبها عليه؟ وكيف فتَّق من المعنى المألوف معنى جديداً بسبب تطيره وتوهمه أشياء غير موجودة في الحقيقة، بل إن هذا التطير كان وراء هذه الالتفاتة إلى هذا الموضوع الذي قلما يتوقف عنده الشعراء، فبدلاً من أن يدعو لهذه الشجرة اليابسة بالسقيا لتورق من جديد دعا عليها بأن يُحْبَس عنها المطر، وأن تكون عُرْضَةً للنوائب. لأنه تطير من منظرها وأشواكها، وصوّر له توهمه المريض أن بين أشواكها أفاعي ستهجم عليه وتعضه، فهرب وهو يسب ويشتم ويلعن.

وإنعامه النظر في الأشياء كان يقوده إلى المزيد من المعاني الطريفة، وإلى أن يهتدي إلى ثغرات ينفذ منها إلى التطير والتشاؤم، في الألفاظ والمعاني والأشكال؛ فقد أراد أحد ممدوحيه السفر بالسفينة إلى واسط في العراق فهبت ريحٌ شديدة كسرت سُكّانَ السفينة (دفتها التي تتحكم في سيرها)، مما اضطر الممدوح إلى إلغاء السفر. وهذا الموضوع مألوف قد يحصل لأي مسافر، لكن ابن الرومي تطير من انكسار السكان ورأى فيه نذير شؤم، ولأن معكوس كلمة سكان هو ناكس، أي أن سعي الممدوح للسفر سيكون وبالاً عليه، ورأى ابن الرومي أن الله يحب هذا الممدوح لذا نهاه عن السفر بكسر السكان، وفي هذا النهي خير له، ثم رأى أن الريح هبت بأمر ربها لتقضي على ذلك النحس ([23]):

رأيتُ مُنْكَسَرَ السُّكانِ ظاهِرُهُ هَوْلٌ وتَأْوِيْلُهُ فَأْلٌ لِمَنْجاكا

كَسْرٌ لِناكِسِ داءٍ كنتَ تَحْذَرُهُ وصِحَّةٌ لكَ تُحْيِيْنا بِمَحْياكا

لأنّ لَفظَ سُكانٍ إذا قُلِبَتْ حُرُوفُها ناكِسٌ لاشَكَّ في ذاكا

ولا يَرُعْكَ رُجُوعٌ بعدَ مُعْتَزَمٍ ففي رُجوعِكَ تَبْشيرٌ بِرُجًعاكا

رَجَعْتَ حين نَهاكَ اللهُ مُزْدَجِراً وكيف تَمْضي ورَبُّ الناس يَنْهاكا

نَهاكَ بالريحِ حتى حَلَّ مَنْحَسَةً مِنْ المَناحِسِ ما كانتْ لِتَلْقاكا

ويتأمل ابن الرومي في بعض الأسماء وهو يمدح أو يهجو، فيستخرج منها معاني جديدة مَبْعَثُها تقليبُ المعنى، والتفاؤل بشيء منه والتطير بشيء آخر، فكلمة إسحاق إذا عُكست لا معنى لها، لذا يُبْدِئ ابن الرومي النظر فيها ويُعيد حتى يهتدي إلى معنى يستفيد منه في الهجاء، إذ يَقْلِب الكلمة ثم يُصَحِّفُها، فتصبح على الشكل التالي: إسحاق = قاحساء = فاحشا بعد التصحيف ([24]):

يا أبا إسحاقَ واقْلِبْ نَظْمَ إسحاقٍ وصَحِّفْ

واتْرُكِ الحاءَ على حا لٍ فما للحاءِ مَصْرِف

يَشْهَدُ اللهَ لقد أَصْبَحْـ ـتَ عينَ المُتَخَلِّق

وعرف عن ابن الرومي أنه منحوس مشؤوم لتطيره واختلال أعصابه وكثرة ما أصابه من مصائب وويلات في أهله ونفسه وممتلكاته. وأنْ يعترف المرء بذلك فهذا يعني الشجاعة والصراحة، وهذا ما حصل مع ابن الرومي؛ إذ اعترف في أكثر من موضع أنه منحوس مشؤوم، لكنه حصر نحسه وشؤمه فيه فقط، من غير أن يصلا إلى الآخرين، لكن ابن الرومي كان يدعي كثيراً من الادعاءات التي تنقض ما سبق أن قاله عن نحسه وشؤمه؛ كأنْ يزعم أنه ميمون الطالع، وأن له أصدقاء كثيرين ينعمون عليه بالمودة والعطاء، وهذا يعني أنه ليس منحوساً أو مشؤوماً كما يتهمه الناس ([25]):

نَفَرٌ مِنَ الخُلَطاءِ والأصحابِ تَجري مَوَدَّتُهم مع الأنسابِ

مازلتُ بينهمُ كأنيَ نازِلٌ في منزلٍ مِنْ صِحَّةٍ وشَباب

أُكْفَى وأُعْفَى غيرَ ما مُتَجَشِّمٍ تَعَباً ولا نَصَباً مَنَ الأنصاب

وهؤلاء الأصحاب كثيرون، بلغ عددهم خمسين صاحباً كما يقول، فلو أعطاه كل واحد منهم في الشهر درهمين لسد حاجته، وكَفَاه سؤالَ الممدوحين اللؤماء البخلاء ([26]):

ليَ خمسونَ صاحباً لو سَألْتُ الـ قُوْتَ فيهم أَلْفَيْتُهم سُمْحَاءَ

ليّ في درهمينِ في كلِّ شهرٍ مِنْ فِئامِ ما يَطْرُدُ الحَوْجاء

فلو كان أصدقاؤه بهذا العدد وبهذه الأريحية والكرم، فلماذا التذلل للممدوحين والوقوف على أبوابهم والتذمر من قلة عطائهم؟ ولماذا كان يهاجم الصداقة والأصدقاء إلى أنْ نفى وجود صديق مخلص؟ أسئلة كثيرة في هذا الموضوع، وفي غيره من الموضوعات التي تكلم فيها ابن الرومي كلاماً يُحْمَل على الادعاء والتعويض النفسي أكثر مما يُحْمَل على الحقيقة.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير