وما بعدها: (فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ)، ينقض استدلالهم، فهو: نص قطعي في إبطال بدعة التثليث وإثبات تفرد الله، عز وجل، بالألوهية.
وليس كل ما كان من الله، عز وجل، صفة من صفاته، لتصح مقالة النصارى في عيسى عليه الصلاة والسلام أنه: من الله، أي من صفاته، فإن الله، عز وجل، يقول في موضع تال في نفس السياق الذي وردت فيه الآية السابقة: (فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا).
فالرحمة التي سيدخل الله، عز وجل، المؤمنين فيها هي: الجنة، كما في حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، مرفوعا وفيه: (قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلْجَنَّةِ أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي)، والجنة مخلوقة، فإضافتها إلى الله، عز وجل، على جهة الصدور منه في هذا السياق ليست إضافة صفة إلى موصوف، لأنها مخلوق قائم بنفسه، والله، عز وجل، لا يوصف بمخلوق، لأن صفاته كذاته: غير مخلوقة فهي فرع عليها، وإنما هي إضافة مخلوق إلى خالقه.
يقول ابن كثير رحمه الله:
" {فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ} أي: يرحمهم فيدخلهم الجنة ويزيدهم ثوابا ومضاعفة ورفعا في درجاتهم". اهـ
ومثله قوله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)
فالسماوات والأرض منه على جهة الخلق لا الوصف فإن الله، عز وجل، لا يوصف بالسماوات والأرض.
يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، رحمه الله، في "أضواء البيان":
" قوله تعالى: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ}.
ليست لفظة من في هذه الآية للتبعيض، كما يزعمه النصارى افتراء على الله، ولكن "من" هنا لابتداء الغاية، يعني أن مبدأ ذلك الروح الذي ولد به عيسى حياً من الله تعالى. لأنه هو الذي أحياه به، ويدل على أن من هنا لابتداء الغاية.
قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض جَمِيعاً مِّنْهُ} [الجاثية: 13] أي: كائناً مبدأ ذلك كله منه جلَّ وعلا ". اهـ
وإلى ذلك أيضا أشار أبو حيان، رحمه الله، في "البحر المحيط" بقوله:
"ومن هنا لابتداء الغاية، وليست للتبعيض كما فهمه بعض النصارى فادعى أنّ عيسى جزء من الله تعالى، فرد عليه علي بن الحسين بن واقد المروزي حين استدل النصراني بأنّ في القرآن ما يشهد لمذهبه وهو قوله: "وروح منه"، فأجابه ابن واقد بقوله: {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه} وقال: إن كان يجب بهذا أن يكون عيسى جزأً منه وجب أن يكون ما في السموات وما في الأرض جزأً منه، فانقطع النصراني وأسلم". اهـ
ومن العجيب أن يستدل أحد كبار رؤوس النصارى عندنا في مصر بنفس الآية على صحة مقالتهم في المسيح عليه الصلاة والسلام!!!، فما هي إلا شبه يتوارثها القوم جيلا بعد جيل!!!.
فمن كل ما تقدم يظهر أن نظرة أهل الباطل إلى النصوص: نظرة جزئية ناقصة، بخلاف أهل الحق، فإن نظرتهم: كلية كاملة، فالشريعة عندهم صورة واحدة لا يترك جزء منها ويؤخذ الآخر.
يقول الشاطبي رحمه الله: "ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد وهو: الجهل بمقاصد الشرع، وعدم ضم أطرافه بعضها لبعض، فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين، إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة، بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها". اهـ
ويقول ابن القيم، رحمه الله، في معرض بيان طريقة الصحابة والتابعين في الاستدلال:
¥