وحقيقة الإنشاء: امتثاله أمرا، واجتنابه نهيا، وفي حديث عائشة رضي الله عنها: (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ)، أي: يمتثل أمره بالتسبيح والاستغفار.
وفي حديث أسامة رضي الله عنه: (وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَأَوَّلُ الْعَفْوَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ فِيهِمْ فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدْرًا فَقَتَلَ اللَّهُ بِهِ صَنَادِيدَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ)، أي يمتثل العفو كما أمره الله، عز وجل، في نحو:
قوله تعالى: (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ)، فأفادت الآية بمفهوم الغاية أن للعفو غاية يثبت لما بعدها نقيض ما قبلها، فقد جاء الأمر بعد ذلك بقتال المشركين وأهل الكتاب، فجعل بعض أهل العلم آيات الصفح كلها من المنسوخ بآيات السيف، وقال آخرون: هي من المنسوء لا المنسوخ، فيعمل بآيات الصفح زمن الضعف، ويعمل بآيات السيف زمن القوة، فالحكم يدور مع علته وجودا وعدما كما قرر الأصوليون.
وللسلف اصطلاح آخر في التأويل فهو: مرادف التفسير والبيان، فيقال: تأويل هذه الآية كذا وكذا، أو: القول في تأويل هذه الآية كذا وكذا، كما كان يصنع شيخ المفسرين الإمام ابن جرير الطبري، رحمه الله، في تفسيره.
وفي التنزيل: (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ)، أي: تفسير الرؤى قبل وقوعها، فإنها إذا وقعت صار تأويلها نفس وقوعها، لا تفسيرها، فتفسير الرؤيا سابق لوقوعها.
ومثله: (وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ).
و: (رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ).
وقول الخضر لموسى عليهما السلام: (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا)، أي: تفسيره، ولا يقال بأنه قصد: نفس وقوعه، فهذا أمر قد انقضى، وإنما عجز موسى، عليه الصلاة والسلام، عن تفسير أفعال الخضر حتى جاءه البيان المفسر على لسانه، فكان بمنزلة: البيان بعد الإجمال، فقد أخر الخضر عليه السلام البيان عن وقت الخطاب لما سأله موسى عليه الصلاة والسلام في كل مرة، وذلك جائز كما قرر الأصوليون، فلما جاء وقت الحاجة لم يسع الخضر تأخير البيان، إذ: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة كما تقرر في الأصول.
ومنه رؤيا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْعِلْمَ)، فتأويل الرؤيا بالعلم تفسيرها.
وقول أبي بكر رضي الله عنه: "إنكم تقرأون هذه الآية، وتتأولونها على غير تأويلها: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) ".
أي: تفسرونها تفسيرا يباين المراد منها.
وحديث جابر، رضي الله عنه، في الشفاعة، وقد تكلم في إسناده، وفيه: "فوالله لقد شهدت تنزيل هذا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد شهدت تأويله من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الشفاعة في كتاب الله عز وجل لمن عقل ............... ".
وأما الاصطلاح الحادث للتأويل فلم يظهر إلا متأخرا في كلام الأصوليين الذين غلبت عليهم طريقة المتكلمين في أصول الدين، فالتأويل عندهم: صرف اللفظ عن ظاهره الراجح إلى ضد مرجوح لقرينة صارفة.
ومحل النزاع مع الأصوليين في هذا التعريف:
أن القرينة إن كانت سياقية، فلا تأويل عند التحقيق، لأن ظاهر الكلام قد دل على المقصود ابتداء، فالمعنى لا يفهم إلا من السياق الذي ورد فيه، فتكون الكلمة واحدة، ولكن معناها يختلف تبعا للسياق الذي ترد فيه، فقولك: زيد ما زيد؟، يحتمل التعظيم ونقيضه من التحقير، وقرائن السياق والحال، هي التي تبين المراد.
¥