تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ونظرًا لارتباط الطبيعة الوضعية بالطبيعة الاستشراقية للأيدولوجية فإن الحقائق في ظل الأيدلوجية تختلط بالقيم، ويترتب على هذا عدم وجود فواصل واضحة بين الأيدلوجية والعلم؛ لذا فإنه من المفيد التعامل مع الأيدولوجيات باعتبارها أنساقًا معرفية كما صاغ هذا الاصطلاح "توماس كوون" في كتابه الشهير "بنية الثورات العلمية" (1962م)، فالأيدولوجية يمكن النظر إليها باعتبارها منظومة مبادئ ومذاهب ونظريات تساعد على ضبط بنية عملية البحث العلمي.

وفي الواقع فإن الأيدولوجية تشكل إطارًا يمكن داخله لعملية البحث عن المعرفة السياسية أن تتم وهي تقدم لغة للخطاب السياسي.

والمثال البارز في هذا الصدد هو أن العلوم السياسية عند تدريسها في المجال الأكاديمي - وكذلك علم الاقتصاد - تستند إلى افتراضات المذهب الفردي والمذهب العقلاني، وهما يرتبطان بالتراث الليبرالي.

وتبرز أهمية الأيدولوجية أيضًا كإطار فكري أو لغة سياسية في كونها توضح بجلاء درجة العمق التي يتشكل عبرها الفهم الإنساني.

كذلك من المفيد إلى جانب مقارنة الأيدولوجيات تأمل كيف تتنوع الاختلافات داخل الأيدولوجية الواحدة، فالأفكار متغيرة وتنمو وتتطور، وليست أحجارًا صماء لبناء صلب، وأحيانًا يكون التجادل والنزاع بين تيارات الأيدولوجية الواحدة أكثر حدة ومرارة منها بين أنصار أيدولوجيات مختلفة، ويصبح مركز الخلاف هو ما هي الأيدلوجية "الحقيقية"؟

وأي فريق يمثلها؟ ما هي الاشتراكية "الحقيقية" وما هي الليبرالية "الحقيقية" أو الفوضوية "الحقيقية"؟ ومما يزيد الأمر اختلاطاً وبلبلة أن كل الفرقاء داخل ذات الأيدولوجية أو عبر الأيدولوجيات المختلفة يستخدمون نفس المفاهيم والخطاب ويدافعون، كل من وجهة نظره، عن الحرية والعدالة والديمقراطية والمساواة – وفقاً لتعريفهم هم. وهذا هو ما دفع بعض المفكرين لوصف الأيدولوجية بأنها من المفاهيم الأساسية المتنازع عليها؛ لأن حوله خلاف عميق ولا يمكن بالتالي تطوير تعريف دقيق له.

ورغم ذلك فلا شك أنه لا بد من وجود حد أدنى من الاتفاق والتجانس وحدًّا لمرونة والتنوع، ولا بد من أن توجد نقطة يصبح فيها ترك مبدأ جوهري أو اعتناق نظرية مرفوضة من الأيدولوجية تاريخيًّا بمثابة فقدان للملامح الأساسية للأيدولوجية أو ربما ذوبانها في أيدولوجية منافسة، وهو ما يحدث تاريخيًّا أحياناً.

فهل يمكن أن تظل الليبرالية هي الليبرالية إذا تخلت عن التزامها بالفردية؟ وهل تبقي الاشتراكية هي الاشتراكية إذا نزعت إلى العنف والحرب؟ أو تظل أيدولوجية الحركات الإسلامية "إسلاموية" – كما يسميها البعض قياساً على الأيدلوجيات الأخرى – إذا تنازلت عن تحكيم الشريعة مثلاً؟!

أحد سبل التعامل مع هذه المشكلة هو ما يقترحه مايكل فريدان من تحديد لتشكل الأيدولوجية وبنيتها ومكوناتها وذلك من خلال مفاهيمها الأساسية، ويشبه ذلك التعرف على غرف المنزل من خلال نوع الأثاث في كل غرفة، فكل أيدولوجية تتسم بما يعتبر لب أو جوهر يتكون من عدة مفاهيم أساسية، ثم مفاهيم هامة، وأخيراً مفاهيم هامشية لا يلزم وجودها في النظرية أو المذهب بالضرورة كي يصنف داخل هذه الأيدولوجية.

فانتقاص مكوِّن من مكوناتها قد لا يعني أنها لم تَعُد هي ذاتها، كما أن الزمن يحمل معه مستحدثات وإضافات.

وعلى سبيل المثال يمكن اعتبار الفردية والحرية والعقلانية هي جوهر المفاهيم الأساسية في الليبرالية؛ وغياب أحدها لا ينقص من مشروعية مذهب من المذاهب الليبرالية، لكن غياب مفهومين منهما هو إرهاصة بنشوء بنية أيدلوجية جديدة.

ولكن ماذا يفيدنا ما سبق في فهم العلاقة بين الأيدولوجية والحقيقة؟

فبالنسبة لماركس كانت الأيدولوجية – كما سلف الذكر – هي العدو اللدود للحقيقة، والباطل هو قرين الأيدولوجية؛ لأن الأخيرة هي من صنع الطبقة الحاكمة لتقر واقع الاستغلال والقهر.

ولكن – كما ذهب مانهايم – فإن قبول رأي ماركس بأن الطبقة العاملة (البروليتاريا) لا تحتاج لوهم الأيدولوجية هو في الحقيقة قبول بتصور بالغ المثالية للجماهير العاملة كأكثر فئات البشر التزامًا بالمساواة، ولكن ما قدمه مانهايم من تصور لحل هذه الإشكالية بوجود طبقة مستقلة من المثقفين لم يحل الإشكالية بدوره.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير