تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

الوحي مع ما يرد على القلب من هواتف الخير الملكية وما جبلت عليه النفس من النوازع الإيمانية، فإرادة صحيحة، فعقل مسدد يعالج ما يستقبله من البيانات بكفاءة شرعية عالية، فأعمال صالحة هي المحصلة النهائية لتلك الحركات الباطنة التي تجري في داخل كل منا دون أن يشعر، فهي من جملة ما فطر عليه الإنسان الحساس المتحرك فلا يتحرك ظاهره إلا فرعا عن باطنه، فالباطن: معدن الصلاح أو الفساد، والظاهر: أثره المدرك بالحس فهو اللازم الدال على ملزومه، أو النتيجة الدالة على سببها فبينهما لزوم عقلي وثيق لا انفكاك فيه، على ما تقرر في مواضع سابقة، من التلازم الوثيق بين الباطن العلمي والظاهر العملي.

فإن وقع له تقصير في التصور العلمي بورود خواطر فاسدة أو هواتف شيطانية فإنه يطردها بالاستغفار العام، فهو إجراء وقائي تسد به الذريعة إلى فساد الإرادة التي تؤدي لزوما إلى فساد العمل فينتقل الفساد من منطقة الخواطر التي لا حساب عليها إلى منطقة الكسب التي يحاسب المرء على ما اقترفه فيها، فلا يكفي عندئذ الاستغفار العام، بل يلزمه الاستغفار الخاص من المعصية التي اقترفها مشفوعا بالتوبة منها فيصقل قلبه ويزول أثر النكتة السوداء منه فإن تمادى نكتت فيه نكتة ثانية فثالثة، فيشربها القلب، إذ قد وقع الفساد في منطقة الكسب ومع ذلك أعرض المكلف عن الاستغفار فوكل إلى نفسه فحملته على اقتراف المحظور فنكتت في قلبه نكتة ثانية وثالثة ..... إلخ،

وفي المقابل: إن كانت ميوله إلى الشبهات العلمية أو الشهوات العملية، كأرباب المقالات الفاسدة فمصدرها هواتف الشيطان، أو الشهوات المحرمة فمصدرها نوازع النفس الأمارة وهي قسيمة الشبهات في الإفساد، فالشبهات تفسد الجانب العلمي في القلب، فلا يزول أثرها إلا باليقين والاستعاذة من الوساوس، والشهوات تفسد الجانب العملي فلا يزول أثرها إلا بالتقوى والاستغفار والزهد في متاع الدنيا فالتكالب عليه مظنة التعدي بارتكاب المحرم أو الإفراط في المباح على نحو يجعل صاحبه محل لوم فلا ينفك غالبا عن تقصير في أداء الواجبات، فإن كانت ميوله كذلك، فضلا عن أن تكون ميوله وضعية، فيكون معرضا عن الشرع بالكلية فليس الأمر شبهة علمية أو شهوة عملية طارئة، بل قد أسس البنيان من قواعده على مناقضة الوحي فصاحبه معرض عنه جملة وتفصيلا، كحال المجتمعات الغربية التي استبدلت العلمانية بالدين المحرف، فمن سيئ إلى أسوأ، فبنيانها الفكري بأكمله يضاد الوحي، فإذا كانت الميول على هذا النحو من الفساد، فلا بد أن يتولد منها أعمال فاسدة تظهر هي الأخرى على جوارحه ظهورا لازما للتصور الباطن، على ما تقدم في الحال الأولى من التلازم الوثيق بين الباطن والظاهر فهو في الخير والشر كائن، فتكثر النكات السوداء، ويعم الفساد أرجاء القلب، فصاحبه هالك إن لم يتداركه الرب، جل وعلا، برحماته، فيهديه إلى توبة ناصحة وحسنات ماحية تمحو تلك النكات.

وللمكلف في كل ابتلاء نتيجة، فتارة يغلب نازع الخير وهاتف الملك، وتارة يغلب نازع الشر وهاتف الشيطان، فيتعالجان في قلب المكلف ويكون الظهور لأقواهما، وذلك يوافق ما عليه أهل السنة من زيادة الإيمان ونقصانه، فيزيد بنوازع الخير وهواتف الملك التي يتولد منها لزوما طاعة تزيد في إيمان صاحبها. وينقص بنوازع الشر وهواتف الشيطان التي يتولد منها لزوما معصية تنقص من إيمان صاحبها، فالأمر مطرد منعكس، فإذا ضمت هذه النتائج إلى بعضها، فهي نتائج آنية تظهر عقب انتهاء كل امتحان بعطاء أو منع، بمسرة أو مساءة .... إلخ من صنوف الابتلاءات بالخير والشر، فتضم نتائج الساعة الواحدة إلى بعضها ففيها يعرض للقلب من الأحوال ما تظهر به آثار صفات الرب، جل وعلا، الفاعلة، فيقلب القلوب بقدرته، فإن شاء ثبتها فضلا، وإن شاء أزاغها عدلا، وهذا أمر يحسه كل في نفسه فيجد في نفسه لحظة: همة ونشاطا، ويجد في أخرى ربما تكون تالية: فتورا وكسلا، ويعرض له في حال: لمة ملك تحمله على فعل الخير، وتعرض له في أخرى: لمة شيطان تحمله على فعل الشر، ويعده الملك خيرا تارة فينشرح صدره، ويعده الشيطان شرا أخرى فيضيق صدره، فهو بين تلك العوارض يتردد في الساعة الواحدة فتظهر آثارها على الجوارح لزوما، فيكتسب بها ما يواطئ باطنه صلاحا أو فسادا، ومن ثم تضم نتائج الساعات إلى بعضها، فالأيام فالشهور فالسنون في سلسلة لا يعلم عدد حلقاتها إلا الله، عز وجل، فهي جملة ما اكتسبه العبد في عمره، حال تكليفه، فمن جريان القلم إلى رفعه وطي الصحف بقبض روحه والملك يدون أفعاله، فتظهر نتائجه تباعا، ثم تكون الغلبة بالفلاح أو الهلاك لما غلب في صحفه من الحسنات المنجية أو السيئات المهلكة فهو لأيهما غلب، فالمجموع الكلي يتضمن تلك النتائج الجزئية المتتالية فبجمعها يتعين مصير العبد فيرى إن كان من أصحاب اليمين أو هو على الضد منهم.

ومن علم ذلك لم يركن إلى عمل تقدم، فالامتحان ما زال منعقدا، واحتمال الرسوب قائم في كل لحظة: "فَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ"، فلا ينجح إلا من أحسن الظن بربه، جل وعلا، فعمل على صلاح طريقة يسر لها، فإن وجد خيرا فليحمد الله، وإن وجد غيره فلا يلومن إلا نفسه، والمسدد من سدده الله، عز وجل، فضلا، فلا خاذل له، والمخذول من خذله الله، عز وجل، عدلا، فلا مسدد له.

ولا يكون فلاح إلا بإخلاص النية الباطنة وتحري السنة في العمل الظاهر، فـ: (مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا): فذلك صلاح الظاهر، (وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا): فذلك صلاح الباطن.

والله أعلى وأعلم.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير