تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ثمنا لما منحته من مال وبنين, وما أعطيته من ثروة وعقار, وهو يطمع أن تحفظ عليه ماله وثراءه وأولاده, وكأن النعم العديدة التي منحتها له هي السر في عبادته, انه يخاف أن يمسها الفناء أو تزول .. وعلى ذلك فعبادته مشوبة بالرغبة والرهبة, يشيع فيها الخوف والطمع .. وليست عبادة خالصة ولا حبا خالصا. وقد ذكرت الرواية أن الله تعالى قال لإبليس: ان أيوب عبد مؤمن خالص الايمان .. وليكون أيوب قبسا من الايمان ومثالا عاليا في الصبر .. قد أبحت ماله وعقاره .. افعل ما تريد, ثم انظر الى ما تنتهي. وهكذا انطلقت الشياطين فأتت على أرض أيوب وأملاكه وزرعه ونعمه ودمّرتها جميعا .. وانحدر أيوب من قمة الثراء الى حضيض الفقر فجأة .. وانتظر الشيطان أيوب .. وقال أيوب عليه السلام عن المال: عارية لله استردها .. ووديعة كانت عندنا فأخذها, نعمنا بها دهرا, فالحمد لله على ما أنعم, وسلبنا اياها اليوم, فله الحمد معطيا وسالبا, راضيا وساخطا, نافعا وضارا, وهو الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء, ويضر من يشاء, ويذل من يشاء, ثم خرّ أيوب عليه السلام ساجدا وترك إبليس وسط دهشته المخزية. وعاد الشيطان يقول لله تعالى: يا رب .. اذا كان أيوب لم يقابل النعمة الا بالحمد, والمصيبة الا بالصبر, فليس ذلك الا اعتدادا بما لديه من أولاد .. انه يطمع أن يشتدّ بهم ظهره ويسترد بهم ثروته. وتستطرد الرواية فتقول: ان الله أباح للشيطان أولاد أيوب .. فزلزل عليهم البيت الذي يسكنون فيه فقتلهم جميعا. وهنا قال أيوب داعيا ربه: الله أعطى .. والله أخذ .. فله الحمد معطيا وسالبا, ساخطا وراضيا, نافعا وضارا. ثم خرّ u ساجدا وترك إبليس وسط دهشته المخزية. وعاد إبليس يدعو الله, أن أيوب لم يزل صابرا لأنه معافى في بدنه, ولو أنك سلطتني يا رب على بدنه .. فسوف تكف عن صبره. وتقول الرواية أن الله أباح جسد أيوب للشيطان يتصرف فيه كيف يشاء .. فضرب الشيطان جسد أيوب من رأسه حتى قدميه, فمرض أيوب مرضا جلديا راح لحمه يتساقط ويتقيّح .. حتى هجره الأهل والأصحاب .. ولم يعد معه الا زوجته .. ومرت الأيام, وتتابعت الشهور, وأيوب تزداد حالته سوءا, حتى لم يعد يستطيع أحد أن يقترب منه لعفن قروحه, ونتن رائحتها, فبرم الناس به, ونفروا منه, وانقطعوا عن زيارته, وتذمّر أهله من جيرته وظلت زوجته هي الوحيدة التي تخدمه, وتقضي له حاجاته. ومرت السنون وأهل أيوب لا يستطيعون على جيرته صبرا, ولا يحتملون له قربا, وجهروا باستيائهم, وأظهروا تذمّرهم بالأقوال والأفعال, فلم تجد رحمة بدا من أن تعرش لزوجها عريشا في ظاهر المدينة وتنقله اليه. وانتقل أيوب u الذي كان يملك الضياع, ويسكن القصور الى عريش من القش على قارعة الطريق, ورغم ذلك لم يتركه الناس لحاله, بل كانوا اذا مرّوا عليه أظهروا تذمرهم, وأبدوا تأففهم. وقالوا: لو كان رب هذا له حاجة فيه لما فعل به ذلك. وهكذا ظل u تمر عليه السنة تلو السنة وهو جسد ملقى في عريشه لا يصدر عنه حركة الا حركة لسانه في فمه بذكر الله, ولا يسمع منه الا صوت يردد اسم الله. كانت رحمة زوجته u تقوم بخدمة الناس لتكسب لها ولأيوب من طعامهما, وما يقوم بأودهما. ثم تعود اليه في نهاية اليوم بما تيسر لها الحصول عليه من طعام تطعمه وتسقيه, وتقضي الليل بجانبه؛ فاذا أصبح الصباح عاودت ما فعلته بالأمس. ولكن هذا الحالة لم تدم لاشمئزاز الناس الذين كانت تقوم بخدمتهم, لعلمهم أنها تقوم على خدمة أيوب u المبتلى, وعلى غسل جروحه وتضميد قروحه, فأظهروا لها الامتعاض من خدمتها لهم, ثم طردوها من خدمتهم. فأصبحت "رحمة" بلا عمل وسدّت منافذ الكسب في وجه رحمة! وفكرت رحمة وهداها تفكيرها الى أن تذهب مع الصباح الى سوق في ظاهر المدينة, ويدها قابضة على حزمة ملفوف بها شيء يبدو أنها تحرص عليه, وتعول من ورائه على خير كثير. وبلغت رحمة السوق, واتجهت الى الجانب الذي تعرض فيه حاجات النساء من زينة وعطر وملبس, وفتحت لفافتها بيد مرتعشة, وجلست مع البائعات, وكانت بضاعتها ضفيرة من الخيوط الذهبية الطويلة الناعمة, كانت بالأمس نصف شعرها, فباعتها الى أحد النساء وأخذت ثمنها. وابتاعت رحمة بثمن شعرها طعاما وشرابا, وعادت الى زوجها تطعمه وتسقيه, فقد كانت برا وفية بزوجها. وبعد أن نفد ثمن شعرها ما بقي لها شيء تبيعه. ولكن أيوب u كان

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير