تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

إنّ هذا الأمرَ العظيم الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر خُلُق أهل الإيمان والإسلام، فالذي يكره هذا الأمرَ ويُبغض الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر ويكون في صدره حرجٌ من هذا الجانب أو يعُدُّ الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر كَبتاً لحريّات الناس وظلماً لهم وسلباً لحريّاتهم وخصوصيّاتهم ويرى أنّ تعطيل هذا الأمر هو إعطاءُ النفوس حُرّياتِها لتعمل ما تشاء لا شكَّ أنّ هذا تصوُّر خاطئ، ودليل على عمَى البصيرة، {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء} (8) سورة فاطر.

هذا الأمر العظيمُ واجبُ المسلم أن يعظِّم جانبَه، وأن يقفَ بجانبه؛ لأنَّ هذا الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر يحفظ للناس أعراضَهم، ويحفظ دماءهم وأموالهم. إنّه هيبة للأمّة، ودليل على قوّتها وتمسّكها بدينها. فهذا المرفق العظيم لا يرتاب في أهمّيته ولا يرتاب في عظيم شأنه إلا مَن في قلبه مرضُ النفاق والعياذ بالله، ممَّن يحبّ المنكرَ ويألفه، ويحارب الحقَّ ويكرهه، في الحديث يقول: "مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قومٍ استهموا سفينة، فكان بعضُهم أسفَلها وبعضهم أعلاها، فكان الذين في أسفلها إذا استقَوا صعدوا إلى من فوقهم، فقالوا: لو خرقنا في نصيبنا خرقاً، فأخذنا الماءَ ولم نؤذ من فوقنا"، فقال رسول الله: "فإن تركوهم وما أرادوا غرقوا جميعاً، وإن أخَذوا على أيديهم نجَوا ونجوا جميعاً".

فشوُّ المنكرات وكثرتُها يهدِّد بعقاب الله، لمَّا قال النبي: "فُتح اليومَ من ردم يأجوج ومأجوج هكذا وهكذا"، قيل: أفنهلك وفينا الصالحون؟! قال: "نعم، إذا كثُر الخبَث". فالأمر بالمعروف والنهيُ عن المنكر بضوابطه الشرعيّة والطرق الحكيمة التي أرشد إليها الشارع ليكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر على عِلم بما يأمر به وعلى عِلم بما ينهى عنه، يسلك كلَّ طريق يوصل إلى الحقّ، ويبتعد عن كلّ طريق ينفِّر عن الحقّ، ويكون هذا الآمر والناهي على عِلم وبصيرةٍ من أمره، متخلِّقاً بالخلق القويم، ممتَثِّلاً ما يأمر به قبلَ أن يأمرَ به، بعيداً عمّا ينهى عنه قبل أن ينهى عنه، قائماً بذلك خيرَ قيام، قصدُه الرحمة بالخلق والشفقةُ عليهم والإحسان إليهم وإنقاذهم من معاصي الله، فذاك الخلق العظيم، وهذا سبيلُ المرسَلين، دعوةٌ إلى الله وحثٌّ على الخير ونصيحة للأمة، ولكنَّ المصيبةَ من يرتاب في هذا الجانب، أو يعدُّ الأمر بالمعروف والنهيَ عن المنكر أمراً قد انتهى دورُه، ولا ينبغي أن يكونَ له وجود بين الأمّة، فتراه يسخَر بالآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ويستهزئ بهم، ويبحث عسى أن يرى سلباً أو عيباً فيهم، ولو كان هذا العائبُ فيه من العيوب أضعاف أضعاف ذلك، لكن يتغاضى عن عيوبه، ويلصِق التُهمَ والعيوب بالآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.

ليس أحدٌ من الخلق معصوماً من الخطأ، ولكن المصيبةَ الإصرار على الخطأ بعد العلم به، أمّا الآمر بالمعروف الذي سلك في أمره ونهيه الطرقَ الشرعيّة فهو على خير وحماية للأمة وتأمين لها ودفاعٍ عنها، فإن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر متى ما استقامت حالهم، ومتى كان عندهم من العلم والبصيرة الأمرُ بالمطلوب فإنّهم حمايةٌ لمصالح الأمّة، ودفاع عنها، وردّ لكيد الكائدين ومن أُشربَت نفوسُهم حبَّ الشرّ والفساد.

قد تعيب إنساناً في تصرّفه، لكن يجب أن تفرّق بين الشّخص وبين دينه، فإذا عِبتَ شخصاً ما وإن كان العيبُ محرّماً بلا شكّ، لكن لا يجوز أن تتعدّى فتنسب العيبَ إلى الإسلام وأهلِه، والنبيّ قال في الغيبة: "ذكرك أخاك بما يكره"، لكن المصيبة أن يعيبَ الإنسانَ لدينه، لتمسّكه بإسلامه، لمحافظته على سنة نبيّه، فليحذَر المسلمون هذا، وليتَّق الكتّاب ربَّهم، وليراقبوه فيما بينه وبينهم، فإنَّ العبدَ إذا اتَّقى الله وتصوّر الأمورَ على حقيقتها دعاه ذلك إلى التوقّف، وفي الحديث: "وهل يكبّ الناسَ في النار على وجوههم ـ أو قال: على مناخرهم ـ إلا حصائدُ ألسنتِهم؟! "، وفي الحديث أيضاً: "إنّ العبدَ ليتكلّم بالكلمة من سخطِ الله ما يظنّ أن تبلغَ ما بلغت يكتب الله له بها سخطَه إلى يوم يلقاه".

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير