تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

فمعروف أن المستوى الفصيح فى أية لغة يقتصر استعماله على مجال التأليف والإبداع والخطب والمحاضرات والندوات، أما فى الحياة اليومية فهناك مستويات أخرى يلجأ إليها الناس لتصريف أمورهم كما أشرنا آنفا. هكذا كانت اللغات البشرية، وهكذا هى الآن، وهكذا ستظل. ومن يقل غير هذا فهو إما جاهل أو بكّاش، والذين قاموا على إخراج الـ"ألمناك" لا يمكن أن يصلوا فى الجهالة إلى هذا المدى المغرق فى السُّفُول، وإلا كانت فضيحة لا تغتفر! فلم يبق إلا أن أن يكونوا بكّاشين. والغرض من وراء ذلك أن يغرسوا فى نفوسنا أن لغتنا قد انتهى دورها ولم يعد أمامها إلا أن نواريها التراب وأن نتخذ العاميات عنها بديلا. وهذا فى الواقع هو ما يريده منا بعض المستشرقين والمبشرين ممن يعملون على أن يقيموا بيننا وبين القرآن المجيد حاجزا لا يمكن تخطيه، ألا وهو حاجز اللغة، إذ متى ما اختفت اللغة الفصحى التى نزل بها كتاب الله فقد حيل بيننا وبين ذلك الكتاب، اللهم إلا أن يفكر فى دراسته بعض المتخصصين، أو نترجمه إلى اللغة العامية كما سمعنا من ينادى بهذا فى الأشهر الأخيرة فى أرض الكنانة حامية القرآن واللسان الذى نزل به هذا القرآن، وعندئذ لن يكون النص المترجَم هو القرآن الكريم بل كلاما عاميا متخلفا ليس بينه وبين أسلوب القرآن المعجز أية صلة، فضلا عن أن الترجمة لن تكون سوى فهم خاص لذلك النص بما لا بد أن يصاحب هذا الفهم من قصور وأخطاء ونزوات وأهواء. ثم مع توالى الأيام يزداد النص المترجَم ابتعادا عن الأصل الإلهى الكريم ... إلى أن نفيق ذات يوم على نص ليس بينه وبين الأصل أية وشيجة.

لكن الأستاذ الشوباشى يؤكد أنه حريص أبلغ الحرص على اللغة الفصحى لأنها، حسبما يقول، هى الرباط الوحيد الآن بين شعوب الأمة العربية بعد تفرقهم سياسيا وتمزقهم اقتصاديا، كما أنه، حسبما يقول، لا يحب أن ينقطع ما بيننا وبين التراث العظيم المكتوب بالفصحى، ومن ثم فهو لا يفكر فى استبدال العامية بها (ص16ــ 17، 138، 165ــ 166)، بل كل ما يبغيه هو تطوير اللغة العربية بتقريب الفجوة التى تفصل فصحاها عن عاميتها حتى يستطيع الناس أن يتكلموا بها ويكتبوا دون أن يقعوا فى الأخطاء التى يقعون فيها الآن، وحتى تساير العصر الذى نعيش فيه فلا يأتى علينا يومٌ نجد أننا لا بد أن نتخلى عنها لعجزها عن الوفاء بمتطلباتنا (ص141)، وذلك من خلال تطوير قواعدها التى لم تتغير طوال عمرها البالغ خمسة عشر قرنا، مخالفة بذلك ما جرى للُّغات الأخرى من عدم توقف قواعدها عن التغيير كل هذه المدة كما حدث للغة الصينية التى كانت تتطور قواعدها كل خمسمائة عام، وكما حصل فى اللغة الإنجليزية أكثر من مرة رغم تاريخها القصير بالنسبة للغتنا، وكما أراد الفرنسيون كذلك أن يصنعوا فى لغتهم، وإن لم يصلوا إلى المدى الذى بلغه أهل الإنجليزية، وبخاصة فى أمريكا، من تبسيط وتطويع انتقلت به هذه اللغة من حال إلى حال لتصبح أسهل لغات العالم تعلما (ص45ــ 46، 49، 55).

هذا ما قاله الكاتب، ولكن ما طبيعة التطوير الذى يريد من خلاله التقريب بين الفصحى والعامية يا ترى؟ إنه يرى أن المفعول به يمثل عقبة كأداء فى سبيل إتقان العربية، ومن ثم نراه ينادى بألا يكون منوَّنا، بل يُكْتَفَى فيه بالسكون (ص172). وهو يريد بهذا إلغاء الإعراب، لكن كلامه تُعْوِزه الدقة ووضوح التعبير كما هو بيّن جلىّ. كذلك نراه ينادى أيضا بالتخلص من التأنيث فى الأرقام وفى الجمع معا، فنقول مثلا: "تسع رجال، وتسع نساء" على السواء، كما نقول: "النساء كلهم أكلوا" بدلا من "النساء كلهن أكلن" ... وهكذا، وهو ما ينسحب على الأسماء الموصولة التى تكتفى العامية فيها بكلمة "اللى" فى كل الحالات (ص171ــ 172، 175)، على حين تستعمل الفصحى مجموعة كاملة منها هى "الذى والتى واللذان واللتان والذين واللاتى". وبالمثل نجده ينادى بالتخلص من صيغة المثنى فلا يكون لدينا بعدها إلا المفرد والجمع فقط مثلما هو الأمر فى اللهجة العامية واللغات الأوربية. وعلى نفس الوتيرة يهاجم الجملة الفعلية زاعما أنها تؤدى إلى التباس المعنى بخلاف الاسمية التى تعبر عن المراد بكل وضوح ودقة (ص168). وفوق ذلك فهو يهاجم العربية لكثرة ما فيها من مترادفات (ص177ـ 180)، كما يتهمها بأن فيها نقصا معيبا فى حروف العلة وأن غالبية حروفها

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير