تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[أرض بما قسم الله لك ....]

ـ[أحمد الغنام]ــــــــ[08 - 11 - 2006, 06:22 م]ـ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ارض بما قسم الله لك

الدكتور حسان شمسي باشا

يقول علماء النفس إن كثيرا من الهموم والضغوط النفسية سببه عدم الرضا، فقد لا نحصل على ما نريد، وحتى لو حصلنا على ما نريد فقد لا يعطينا ذلك الرضا التام الذي كنا نأمله، فالصورة التي كنا نتخيلها قبل الإنجاز كانت أبهى من الواقع.

وحتى بعد حصولنا على ما نريد فإننا نظل نعاني من قلق وشدة خوفا من زوال النعم. ومن هنا كان الدعاء المأثور " اللهم عرفنا نعمك بدوامها لا بزوالها ".

وقد خلق الإنسان .. وخلق معه القلق .. أو خلق القلق ثم خلق له الإنسان ليكابده.

وهناك نوعان من القلق: القلق الطبيعي والقلق المرضي.

والقلق الطبيعي هو الذي يمكن أن نطلق عليه القلق الصحي، أو القلق الذي لا حياة بدونه، أو الذي لا معنى للحياة بدونه. وإذا اختفى أصبح الإنسان مريضا متبلد الوجدان.

وهموم الحياة كثيرة: هموم العمل والمنزل، مرض الآباء أو الأبناء، ديون متراكمة أو خلافات عائلية، امتحانات أو مقابلات. وكلها حالات تبعث في النفس القلق، وقد تجعلنا نفقد شهيتنا للطعام، أو ربما نفقد السيطرة على أعصابنا لأتفه الأسباب. وقد نحرم لذة النوم الهانئ، نتعذب بالانتظار والحيرة، ونذوق مرارة الحياة. وتمر الأيام، وتنقشع تلك المشاكل والهموم، ونرضى بالأمر الواقع، ويزول القلق، وننعم بالسكينة والهدوء، ثم تأتي مشكلة جديدة ونمر بتجربة أخرى، وهكذا هي الحياة ..

أما القلق غير الطبيعي فهو _ كما يقول الدكتور عادل صادق _ إحساس غامض غير سار يلازم الإنسان. وأساس هذا الإحساس هو الخوف. الخوف من لا شيء، الخوف من شيء مبهم.

وفي حالات القلق يزداد إفراز مادة في الدم تدعى الأدرينالين، فيرتفع ضغط الدم، ويتسرع القلب، ويشكو الإنسان من الخفقان، أو يشعر وكأن شيئا ينسحب إلى الأسفل داخل صدره.

ويظن بقلبه الظنون، ويهرع من طبيب إلى طبيب، وما به من علة في قلبه، ولا مرض في جسده إلا أنه يظل يشكو من ألم في معدته واضطراب في هضمه، أو انتفاخ في بطنه، و اضطراب في بوله أو صداع في رأسه.

يقول ديل كارنجي: " عشت في نيويورك أكثر من سبع وثلاثين سنة، فلم يحدث أن طرق أحد بابي ليحذرني من مرض يدعى (القلق)، هذا المرض الذي سبب في الأعوام السبعة والثلاثين الماضية من الخسائر أكثر مما سببه الجدري بعشرة آلاف ضعف. نعم لم يطرق أحد بابي ليحذرني أن شخصا من كل عشرة أشخاص من سكان أمريكا معرض للإصابة بانهيار عصبي مرجعه في أغلب الأحوال إلى القلق!

ويتابع كارنجي القول: " لو أن أحدا ملك الدنيا كلها ما استطاع أن ينام إلا على سرير واحد، وما وسعه أن يأكل أكثر من ثلاث وجبات في اليوم، فما الفرق بينه وبين الفلاح الذي يحفر

الأرض؟ لعل الفلاح أشد استغراقا في النوم، وأوسع استمتاعا بطعامه من رجل الأعمال ذي الجاه والسطوة ".

ويقول الدكتور الفاريز: لقد اتضح أن أربعة من كل خمسة مرضى ليس لعلتهم أساس عضوي البتة، بل مرضهم ناشئ من الخوف، والقلق، والبغضاء والأثرة المستحكمة، وعجز الشخص عن الملاءمة بين نفسه والحياة ".

قال المنصور:

كن موسرا إن شئت أو معسرا= لابد في الدنيا من الغم

وكلما زادك من نعمة = زاد الذي زادك في الهم

والهموم تفتك بالجسم وتهرمه. قال المتنبي:

والهم يخترم الجسيم نحافة = ويشيب ناصية الصبي ويهرم

وقد قرأنا كيف أن بكاء يعقوب على ابنه أفقده بصره، وكيف أن الغم بلغ مداه بالسيدة عائشة عندما تطاول عليها الأفاكون - فظلت تبكي حتى قالت: " ظننت أن الحزن فالق كبدي ".

وترى المهموم حزينا مكتئبا. قال أحمد بن يوسف:

كثير هموم القلب حتى كأنما = عليه سرور العالمين حرام

إذا قيل: ما أضناك؟ أسبل دمعه = فأخبر ما يلقى وليس كلام

ومن الناس من يستطيع كتمان همومه، ويبدي لله نفسا راضية. قال أسامة بن منقذ:

انظر إلى حسن صبر الشمع يظهر = للرائين نورا وفيه النار تستعر

كذا الكريم تراه ضاحكا جذلا = وقلبه بدخيل الهم منفطر

ولربما ضحك المهموم وأخفى همومه، وفي أحشائه النيران تضطرم. قال الشاعر:

وربما ضحك المهموم من عجب = السن تضحك والأحشاء تضطرم

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير