تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ثم يقول صلى الله عليه وسلم: ((وكان الغلام يُبرئُ الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس للملك كان قد عَمَىَ، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني، فقال: إني لا أشفي أحداً إنما يشفي الله تعالى، فإن آمنت بالله تعالى دعوت الله فشفاك فآمن بالله تعالى فشفاه الله تعالى)).

انظر إلى ما فعله هذا الغلام، استغل هذه الفرصة لدعوة هذا الرجل إلى الإيمان، لم يقل أنها أموال وهدايا كثيرة سأخذها، إنما استغل الفرصة لدعوته للإيمان، وبين للرجل أن الله الشافي، وليس الشفاء بيده، أراد أن يبين له أن علاج القلوب أولى من علاج الأبدان، لأنه إذا صلحت القلوب صلحت الأبدان، وإذا فسدت القلوب فسدت الأبدان.

ثم قال صلى الله عليه وسلم: ((فأتى الملك – أي: جليسه – فجلس إليه كما كان يجلس فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي، قال: ولك ربٌّ غيري؟ قال: ربي وربك اللهن فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام)).

رد الله إليه بصره، فالبصر، نعمة، كان لا يرى وبعد أن آمن ودخل الإيمان في قلبه، رد الله عليه بصره، فأبصر الناس، فجاء هذا الجليس إلى الملك ليجلس مع الملك كعادته فنظر إليه الملك فرأى وجهه قد تغير، فالإنسان الأعمى إذا رد الله إليه بصره تغير وجهه، فنظر إليه فقال الملك لجليسه، من رد عليك بصرك؟! قال: ربي، فقال له: أو لك رب غيري؟! فقال له ربي وربك الله.

هكذا الإيمان يفعل في أصحابه، هذا جليس ملك قبل قليل يطمع في منصب من مناصب الدنيا، كان قبل قليل يريد مالاً، ويطمع فيما عند الملك.

الآن يقول له: رب وربك الله، فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، قبل قليل كان جليسه يُضحكه، ويشاوره، والآن يعذبه لأنه آمن بالله رباً.

يقول صلى الله عليه وسلم: ((فجيء بالغلام فقال له: أي بني، قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل؟

فقال: إني لا أشفي أحداً إنما يشفي الله تعالى: فاخذه فلم يزل يعبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب، فقيل له: إرجع عن دينك فأبى فدعا بالمنشار فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه)).

موقف إيماني في الثبات على دين الله: قطعتان من اللحم في بركة من الدماء، لماذا؟ لأنه أبى أن يرجع عن دينه، كل ذلك وجليس الملك الذي رد الله عليه بصره ينظر إلى هذا الموقف، والغلام الصغير ينظر إلى هذا الموقف:

يقول صلى الله عليه وسلم: ((ثم جيء بجليس الملك، فقيل له: ارجع عن دينك فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه))

((ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك فأبى))

إنه الإيمان، مواقف إيمانية تسجل في قلوب الصالحين بماء الذهب، إنه الصبر على الدين، لأنه أغلى ما يملك المرء في هذه الدنيا.

فلم يقتل الملك الغلام، ولكن ماذا فعل به؟

يقول صلى الله عليه وسلم: ((فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا، وكذا فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته، فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه، فذهبوا به فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك)).

إنه الإيمان، أيها الغلام: اهرب، أيها الغلام أين تذهب؟ ماذا يريد الغلام؟ هل يريد منصباً من مناصب الدنيا عند الملك؟ لا

هذه أمور دنيوية يطلبها طالب الدنيا، الغلام يريد شيئاً سنعرفه بعد قليل.

يقول صلى الله عليه وسلم: ((فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالى، فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال اذهبوا به فاحملوه في قرقور، وتوسطوا به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت فانكفأت بهم السفينة فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك، ما فعل أصحابك؟ فقال كفانيهم الله تعالى)).

أخواني الكرام:

الغلام يريد شيئاً لم نفصح عنه حتى الآن.

يقول صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنه: ((يا غلام، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)).

فالله عز وجل يدافع عن الذين آمنوا، ويحفظهم من كل سوء.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير