تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

والواجب على كل مسلم التماس العذر للعلماء وإحسان الظن بهم, والتثبت مما يُنْقلُ ويشاع عنهم, لا سيما في حال الفتن والشرور ففيها يكثر الكذب والافتراء والطعن في العلماء, يقول أحد الأدباء-رحمه الله-: (والجماهير دائماً أسرع إلى إساءة الظن من إحسانه .. فلا تصدق كل ما يقال, ولو سمعته من ألف فم, حتى تسمعه ممن شاهده بعينه, ولا تصدق من شاهد الأمر بعينه حتى تتأكد من تثبته فيما يشاهد، ولا تصدق من تثبت فيما يشاهد حتى تتأكد من براءته وخلوه عن الغرض والهوى, ولذلك نهانا الله عن الظن واعتبره إثماً لا يغني من الحق شيئاً).

ويقول السبكي رحمه الله تعالى: (فإذا كان الرجل ثقة مشهوداً له بالإيمان والاستقامة, فلا ينبغي أن يحمل كلامه, وألفاظ كتاباته على غير ما تعود منه, ومن أمثاله, بل ينبغي التأويل الصالح وحسن الظن الواجب به وبأمثاله).

والمعتبر بكثرة الفضائل, فليس أحد من الناس معصوماً إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام, فيجب أن يغتفر قليل خطئهم في كثير صوابهم ويعتبر بالغالب من حالهم, فكيف إذا رجع إلى الحق وبأن له الصواب, قال سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى: (ليس من علم ولا شريفٍ ولا ذي فضل إلا وفيه عيب, ولكن من كان فضله أكثر من نقصه ذهب نقصه لفضله, كما أن من غلب عليه نقصانه ذهب فضله).

ويقول الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى: (والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه).

وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: ( .. ومن له علم بالشرع والواقع, يعلم قطعاً أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدمٌ صالحٌ وآثارٌ حسنه, وهو من الإسلام وأهله بمكانٍ , قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذورٌ بل مأجورٌ لاجتهاده, فلا يجوز أن يتبع فيها, ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته في قلوب المسلمين).

وإذا الحبيب أتى بذنبٍ واحد * جاءت محاسنه بألف ii شفيع

وقيل أيضاً:

فإن يكنِ الفعل الذي ساء واحداً * فأفعاله اللاتي سررن ii كثيرُ [3]

وإذا لم يستطع المرء أن يقول خيراً, أو يبدي نصيحةً, أو ينبه مخطئاً على خطئه, فإن الصمت له نجاة, ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (طويل الصمت, قليل الضحك).

وقد قيل: (ما ندم حليمٌ ولا ساكت).

وقال طاووس رحمه الله تعالى: (لساني سبُع, إن أرسلته أكلني)

ما إن ندمتُ على سكوتي مرةً * ولقد ندمت على الكلام مرارا

وأما من جالس أقواماً يغتابون فيجب عليه الإنكارُ بالحكمة, أو قطع الغيبة بكلامٍ آخر, أو مفارقة المجلس, وحول ذلك يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: (اعلم أن الغيبة -كما يحرم على المغتابِ ذكرها- يحرم على السامع استماعها وإقرارها, فيحب على من سمع إنساناً يبتدئ بغيبةٍ محرمة أن ينهاه إن لم يخف ضرراً ظاهراً, فإن خافه وجب عليه الإنكارُ بقلبه, ومفارقةُ ذلك المجلس إن تمكنَّ من مفارقته, فإن قدر على الإنكار بلسانه, أو على قطع الغيبة بكلامٍ آخر, لزمهُ ذلك, فإن لم يفعل عصى, فإن قال بلسانه: (اسكت) وهو يشتهي بقلبه استمرارهُ, فقال أبو حامد الغزالي: (ذلك نفاقٌ لا يخرجه عن الإثم, ولا بد من كراهته بقلبه) [4]

21/ 3 / 1426 هـ


[1] الدرر الكامنة 4/ 106.

[2] تصنيف الناس بين الظن واليقين ص 94.

[3] ينظر: قواعد في التعامل مع العلماء د. عبد الرحمن بن معلا اللويحق. فمنه استفدت كثيراً

[4] عن الإعلام بحرمة أهل العلم والإسلام للمقدم ص (36, 46).

منقول من موقع دعوة الأسلام

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير