تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[الخنفشاريون]

ـ[عبير نور اليقين]ــــــــ[16 - 02 - 2006, 12:06 م]ـ

اشتهر رجل يسمى صاعدا بالعلم في أندلس الغرب حتى ملأ اسمه كل رجو وضاحية، فكانوا لا يسمون له اسما ولا يذكرون له بيتا من كلام العرب إلا تحاذق عليهم وأتى بالعجائب .. فكان أن رفع أمره إلى الخليفة منصور بن أبي عامر الأندلسي .. فعزم الخلفية على إعجازه وجمع له حفاظ اللغة ورواة الأشعار آنذاك .. وبيَّتوا له اسما من تأليفهم، جمع فيه كل واحد منهم حرفا حتى اجتمعت لهم كلمة خُنفشار، وهي كلمة لم تسمع عن العرب قط! وما إن دخل عليهم ذلك المتحاذق حتى قال قائلهم: وهل تعرف العرب الخنفشار؟ فأجاب ببديهة عجيبة: نعم، تعرفه .. ألم تسمعوا قول شاعرهم قديما:

ولقد وقعت محبتها بقلبي ... كما وقع الحليب بخنفشار

ومات صاعد هذا .. ولم تمت بدعته، بل ترك مذهبا له رجال، وأي رجال، بل إنهم أبطال؟! لعل بعض القراء يستملح هذه النكتة ويستعذبها ويجد فيها المتعة و الضحك .. وما قصدت ذلك بها .. ولعل بعضا آخرين يفهمون ما أفهم؟! إن مهنة التصدي والتمادي والتطاول على اللغة العربية غدت أمرا مشاعا بين الناس، كل العوام والهوام تقول برأيها وتجول بحكمها وتصول في حقول كانت فيما مضى رياضا يرتع فيها الخيار والنجباء ورُبى يمتع الرائي فيها ناظريه في فردوس العربية المكنون .. لقد أصبحت المسألة أمرا مبتذلا عند جميع العرب، العامي والسوقي وغيرهما كثير .. و أصبح صعبا التفريق بين الدخيل والأصيل، فما عاد اللغوي يجيد اللغو ولا النحوي يحسن النحت ولا الصرفي يرد صرفا .. لقد اختلط الحابل بالنابل، وأفلتت العير من عقلها فلا ركبا أدركنا ولا مركبا عجلنا، يا للمصيبة! لغة شرفها الله تعالى بكتابه وأكرهما بلسان نبيه تضيع على يدي أبنائها قبل أعدائها .. وقد يكون من الخطإ رمي دعاة التغريب والعامية وحدهم بنكبات اللغة العربية التي لا تنقضي، ما دام اللهيب يمتد من الداخل إلى الداخل، وبيد أبناء العربية البائسين أنفسهم .. وهم يظنون التعبير والإجادة في بحر لا يشق على الأفذاذ، بله الرعاع .. ولو يدرك واحد منهم ما تجنيه يده لعلم لتوه عظم الجنحة و ُرْزءَ البلية:

النار توقد في خيام عشيرتي ... وأنا الذي يا للمصيبة أُشعِل

جالست عاميا من عوام العربية، الذي أستحي أن أنسبهم إلى العربية، فقال لي مترنحا: علم النحو العربي، منطق يوناني خالص، لا اجتهاد فيه ولا زيادة. بل كله نقول عن علوم الفرس واليونان! ومن فرط ذلك العجب، لا أدري كيف أجبته .. لقد ذكرني ذلك البئيس بتلك القصة الطريفة على مثله من الحمقى والمغفلين، يوم رمى شاب متهور الأزهر الشريف بالتخلف في التدريس والظلامية في المناهج .. فقال له أحد الأساتذة: لقد ذكرتني يا بني! بقصة شاب متهور مثلك تطاول على شيخه فقال ذلك الشاب بعد كلام ساخن: آلحسن والحسين بنتا معاوية بن أبي طالب؟! فأجابه الشيخ: والله ما أدري أيَّ أخطائك أُصلح!

كناطح صخرة يوما ليُوهنها ... فلم يضرها، وأوهى قرنه الوعل

من مثل هؤلاء يُحذر، ومنهم يُتقى .. ومن يدري لعل الداء فينا دفين ونحن نسعى إلى علاج داء آخر، صدق قائلهم: احذر عدوّك مرة،و احذر صديقك ألف مرة!!

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير