تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

الجلابية، الأيام الأولى التي كان الحديد يتعرف فيها على مدخل العالم المقروء المكتوب ويحاول أن يحذق مبادئ أسراره، وفهمي رفيق تلك الأيام ومثلها الأعلى ... أيكون أهله هم من ينتظرونه بالخارج.

وأمر بدخولهم ...

ومن باب الحجرة دخل ثلاثة أو أربعة أناس من حجم قصير تخين واحد .. ورابعهم مثنى على نفسه لسبب مجهول. أجال بصره فيهم، إن ملامح فهمي محفورة في ذاكرته لا تمحى أو تموت. ,أجال بصره محاولا أن يعثر على من يصلح ليكون أبا لفهمي أو عمه ... ولكن ملامحهم بدت غريبة حتى على أهل زينين بشكل عام ...

- أمال فين فهمي؟

وتسابقوا في ارتباك عظيم يجيبون، وينتهون إلى الإجمال على الإشارة للشخص الرابع المثني على نفسه.

- ده.

- أيوه يا بيه ...

- أنت؟ ..

- أيوه يا بيه .. هو ...

- أيوه ... يا ...

ورفع رأسه يواجهه رغم بقائه متنبا. وحدق الحديدي طويلا فيه كمن يفتش في كومة من قش قديم عن إبرة ملامحه لطفل صديق كان أعز عليه من نفسه ...

- أنت فهمي؟ **!

- أيوه .. يا .. فاندي ...

جاءه الجواب من وجه المومياء الخارجة لتوها من القبر أو المستعدة توا للدخول فيه. وجه منقبض بالألم وكأنما ثبتت ملامحه عنده وحنطت عليه ...

- أنت فهمي أبو ...

- أيوه ... أبو عنزه يا بيه .. ده كان مع في المدرسة ... بس حضرتك مش فاكر.

أمعقول هذا؟ من الطفل المرتب النظيف الذي تحيط بوجهه مهابة النبوغ، ومن العينين اللتين يطل منهما الذكاء النفاذ والقدرة المعجزة على الإدراك، أين هذا من ذلك الرجل الذي يبدو عجوزا محطما تجاوز الخمسين، المظلم القسمات كالأرض البور، المطفا العينين لضيقهما كشريط اللمبة حين يحمر من تلقاء نفسه ويقصر ويحترق لدى فراغ الكيروسين.

وأحس بفجيعة ذات طعم خاص. كان دائما متأكدا أنه سيلقي فهمي يوما ما. وكان يعد العدة لهذا اللقاء الحافل. إن قدرا كبيرا من الرهبة التي يحسها لفهمي مبعثة أنه كان يتخيل دائما أن فهمي سيظل متفوقا عليه وعلى الآخرين. وأن الذي باستطاعته أن يتفوق كطفل لا بد باستطاعته أن يتفوق كشاب ثم كرجل .. ولم يكن أبدا يتصور أن اللقاء سيتم على هذه الصورة وأن الطفل الذي في ذاكرته سيمخض عن هذا الرجل .. كان يدخر اللحظة التي يقابله فيها كلاما كثيرا يريد قوله. وكيف أنه إذا كان قد أصبح الأستاذ الدكتور الحديدي أكبر مرجع في الكيمياء العضوية في الشرق وإذا كان قد أصبح رئيس مجلس إدارة مؤسسة كبرى ومرشحا أكثر من مرة للوزراة وعضوا في عشرات اللجان والهيئات العلمية في الشرق والغرب فجزء كبير من هذا الفضل يرجع لفهمي، فقد كان الصوت الذي ظل لأكثر من ثلاثين عاما من الزمان يلهب طموحه ويدفعه للتفوق حتى ينتصر، ولو مرة واحدة، على الطفل العبقري الذي ظل يحافظ عليه في ذاكرته كصور القديسين التي لا تمس. وها هو اللقاء وها هو القديس.

- أن فهمي أبو عنزة؟

- أيوه يا بيه.

- عنزة إيه يا بيه؟

العنزة التي سرقها ليشتري لحسين أبو محمود والد منصور الألدغ حقن الدواء 606 التي قيل إنها بخمسين قرشا وأنها دواؤه الوحيد .. فقد كان فهمي شهما أيضا. لا يتردد في الذهاب سائرا على قدميه إلى البندر أو بقاء الليل بطوله ساهرا أو اليوم كله عاملا كادحا إذا أحس أن غيره في حاجة إلى هذا العمل أو الجهد خاصل جعلت الجميع يدهشون ويفجعون لإقدامه على سرقة العنزة، وإن كان السبب قد عرف والعمل قد اغتفر، إلا أنه خرج منها بالاسم لاصقا به ملغيا اسمه الحقيقي وحالا محله.

أهلا وسهلا .. أيه خدمة

بالطبع فلا بد قد جاءوا مثلما كان يجيئه المئات في انتظار أن يحقق لهم بمفرده ومركز المعجزة كان سهلا تخمين المطلوب هذه المرة. فلا بد أن فهمي مريض ولا بد أنه يريدون إدخاله المستشفى.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير