تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

1 - يقول سيد قطب:"إن الأداء القرآني يمتاز ويتميز من الأداء البشري؛ إن له سلطاناً عجيباً على القلوب ليس للأداء البشري؛ حتى ليبلغ أحيانا أن يؤثر بتلاوته المجردة على الذين لا يعرفون من العربية حرفاً، وهناك حوادث عجيبة لا يمكن تفسيرها بغير هذا الذي نقول - وإن لم تكن هي القاعدة - ولكن وقوعها يحتاج إلى تفسير وتعليل، ولن أذكر نماذج مما وقع لغيري؛ ولكني أذكر حادثا وقع لي: كنا ستة نفر من المنتسبين إلى الإسلام على ظهر سفينة مصرية تمخر بنا عباب المحيط الأطلسي إلى نيويورك؛ من بين عشرين ومائة راكب وراكبة أجانب ليس فيهم مسلم، وخطر لنا أن نقيم صلاة الجمعة في المحيط على ظهر السفينة، وقد يسر لنا قائد السفينة أن نقيم صلاتنا ... وقمت بخطبة الجمعة وإمامة الصلاة؛ والركاب الأجانب - معظمهم - متحلقون يرقبون صلاتنا، ولكن سيدة من هذا الحشد كانت شديدة التأثر والانفعال، تفيض عيناها بالدمع ولا تتمالك مشاعرها، جاءت تشد على أيدينا بحرارة؛ وتقول:- في إنجليزية ضعيفة - ....... أي لغة هذه التي كان يتحدث بها "قسيسكم"؟ ....... إن اللغة التي يتحدث بها ذات إيقاع موسيقي عجيب وإن كنت لم أفهم منها حرفا، ثم كانت المفاجأة الحقيقية لنا وهي تقول: ولكن هذا ليس الموضوع الذي أريد أن أسأل عنه، إن الموضوع الذي لفت حسي، هو أن "الإمام" كانت ترد في أثناء كلامه - بهذه اللغة الموسيقية - فقرات من نوع آخر غير بقية كلامه؛ نوع أكثر موسيقية وأعمق إيقاعا، هذه الفقرات الخاصة كانت تحدث فيّ رعشة وقشعريرة، إنها شيء آخر كما لو كان الإمام مملوءا من الروح القدس - حسب تعبيرها المستمد من مسيحيتها - وتفكرنا قليلا، ثم أدركنا أنها تعني الآيات القرآنية التي وردت في أثناء خطبة الجمعة وفي أثناء الصلاة، وكانت - مع ذلك - مفاجأة لنا تدعو إلى الدهشة، من سيدة لا تفهم مما نقول شيئا. ووقوع هذه الحادثة وأمثالها مما ذكره لي غير واحد - ذو دلالة على أن في هذا القرآن سراً آخر تلتقطه بعض القلوب لمجرد تلاوته ........ ولكن ما بالنا نعجب وعشرات الألوف ممن يستمعون إلى القرآن من عوامنا لا يطرق عقولهم منه شيء، ولكن يطرق قلوبهم إيقاعه - وسره هذا - وهم لا يفترقون كثيرا من ناحية فهم لغة القرآن عن هذه السيدة "

2 - في أحد السجون السويدية كان المشرف مسلما جديدا، وقد تعوّد على تشغيل أسطوانة من القرآن وفي إحدى الليالي كان صوت القرآن يسري بين جنبات السجن والليل ضارب بأرواقه والصمت مطبق؛ فإذا بالسجناء يطالبون - وبشدة - برفع الصوت، ثم جاءوا إلى المشرف يقسمون له في الصباح: أنهم لم يستطيعوا النوم إلا بعد سماعهم لهذا الصوت الذي يتغلغل إلى الأعماق ويسري في الوجدان وتطمئن له الأفئدة وترتاح القلوب، علما بأن السجون السويدية يتوفر فيها من وسائل الترفيه ما لا يتوفر في بقية سجون العالم كله.

3 - كفّ لبيد بن أبى ربيعة –وهو أشعر العرب- عن قول الشعر منذ سماعه لنغمة القرآن؛ فقال عندما طلب منه عمر بن الخطاب الإنشاد: " ما قلت شعراً منذ سمعت الله عزّ وجلّ يقول: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ "

4 - إن للقرآن انسجامه الصوتي وتناسبه النغمي؛ ولهذا فإن العرب الذين أدركوا الجمال الصوتي للشعر حق الإدراك قد علموا - للوهلة الأولى - مفارقة الصوت القرآني لصوت الشعر وجرسه؛ إذ أن الصوت القرآني نغمة إلهية سماوية واضحة لا تضاهيها في جمالها وعذوبتها نغمة، ولما كان الأمر كما ذكر فقد جاء في صحيح مسلم في قصة إسلام أبى ذر الغفاري رضي الله عنه: أن أخاه أنيسا كان شاعراً مجيداً؛ فذهب إلى مكة فسمع القرآن فقارن بين هذا الصوت الإلهي وبين صوت الشعر؛ فقال: " لقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم على لسان أحد يدّعي أنه شعر"

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير