تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

فقلت له: يا فلان: إذا أردت أن تنجح في عملك فاصدق مع نفسك، وغيِّر ما بها، واحزم في أمرك، ولا تشغل نفسك بلوم والدك، أو غيره؛ فإن ذلك لا يفيدك شيئاً.

ولكن عليك بالاستعانة بربك، والجد في عملك، واحترام مسؤوليك، وسلامة صدرك، وتطوير نفسك، واستجماع مواهبك، والحرص على ما ينفعك؛ فإذا لزمت هذه الطريقة فستفرض احترامك على مرؤوسيك، وسيعرف والدك قدرك.

استمع صاحبنا لما قيل له، وهز رأسه، وقال: إن شاء الله أفعل.

وبعد مدة وجيزة صار له وزنه في العمل، حتى نال إعجاب صاحب الشركة، والمسؤول الأكبر فيها، فصار يتصل به مراراً، ويسند إليه كثيراً من المهام الخاصة؛ فصار صاحبنا يترقى من عمل إلى عمل، فزادت ثقته بنفسه، ونال إعجاب من حوله بفضل الله، ثم بِجِدِّه، واجتهاده وحرصه على ما ينفعه.

2_ وفي يوم من الأيام جاءني شابٌ مُستوفزٌ ثائر، فجلس إلي، وقال: هل تتذكرني، فبدأت أعصر الذاكرة، وقلت: كأنني أعرفك، ثم بدأ يذكرني حتى تذكرته، لأني لم ألتق به إلا مرة واحدة.

وقال: ربما نسيتني؛ لنحول جسمي، بسبب أمر أقلقني جداً، وقد أتيت إليك لعلي أجد حلاً؛ فهل تسمح لي بالحديث؛ فقلت له: نعم تفضَّل.

فقال: مشكلتي تَكْمُن في والدي؛ فهو رجل تعدى السبعين من عمره، وهو رجل عامي، ولا يحسن محاورتنا، ولا يرى أنني كَبِرْتُ، وصرت رجلاً.

فسألت صاحبي: هل أنت طالب أو موظف؟

فقال: أنا موظف في الدائرة الحكومية الفلانية.

فقلت له: واصل حديثك، فقال: مشكلتي الآن أنني أرغب في الزواج، ولكن والدي يثبطني، ويرى أنني لم أصل بَعْدُ إلى المستوى الذي يؤهلني للزواج، وإذا رأى مني إلحاحاً قال: اخطُب من بنات عمك وقريباتك.

ولكني لا أرغب في الأقارب؛ لأن رغبتي في أسرة بعيدة عنا وعن بلدنا.

ولما رأيت هذا الموقف من والدي تقدمت إلى تلك الأسرة التي أرغب في الزواج منها، فأعطوني موافقة مبدئية، وقالوا لي: إيت في اليوم الفلاني وحدك، فأتيت، ثم قالوا: إيت ومعك والدك، وموعد اللقاء يوم غدٍ؛ فماذا أصنع؟ وكيف أقنع والدي بالذهاب، وهو يرفض الفكرة من أصلها؟

فقلتُ له: وماذا تريد أن أصنع وقد أتيت _كما يقولون_ في الوقت الضائع؟

فقال: الأمر كما ترى، فقلت له: هل هناك قريب، أو أخ، أو صديق للوالد يؤثر عليه، ويقنعه بما تريد؟

فقال: لا أعرف أحداً يستطيع ذلك.

فقلت له: ألا يمكنك أن تأتي والدك، فتبادره في الأمر، وتضعه أمام ناظريه؟ فقال: لن يجدي ذلك شيئاً.

فقلت: أتسمح أن أوجه إليك بعض الأسئلة الصريحة التي ربما تتعبك، ولكن قد يكون لها ثمرة؟

فقال: تفضل، فقلت له: ما علاقتك بوالدك؟

قال: فاترة، قلت له: ألا تعتقد أنك مشارك في ذلك؟ قال: ماذا تريد أن أفعل؟

قلت: هل أنت تسافر مع والدك إذا طلب منك ذلك؟ قال: لم يحصل شيء من هذا، قلت: هل أنت تجلس مع والدك إذا جاءه الضيوف، أو تصحبه إلى أصدقائه أحياناً؟ قال: لا، قلت: هل سبق أن أعطيته مالاً خصوصاً وأنك موظف، وتستلم راتباً شهرياً؟ قال: لا، قلت: هل سبق أن أهديت له هدية؟ قال: لا.

قلت: إذاً فالسبب الأعظم يَكْمُن فيك لا في والدك.

قال: وما الحل؟ قلت: الحل يحتاج إلى وقت؛ كي تصحح وضعك مع والدك.

قال: أريد حلاً سريعاً يسعفني الآن، قلت: هذا صعب، ولكن جرب هذا الحل.

قال: وما هو؟ قلت: _والكلام بعد المغرب_ اذهب الآن إلى محل بيع العود والعطور، واختر أنواعاً من أحسن الطيب، والعود، وما شاكل ذلك، وضعه في حقيبة جميلة ملائمة، ثم اذهب إلى والدك، وسلم عليه، وقبل رأسه، وقل: يا والدي لقد خطبت وحصلت الموافقة، وحُدِّد موعد المقابلة، فقررت أن تكون أول مَنْ يَعْلَمُ، وأول من أقدم له هدية؛ تقديراً لك، ورجاءً لبركة دعواتك.

وقلت لصاحبي: ما رأيك؟ قال: أفعل إن شاء الله، فقلت له: بادر عسى أن يكون في ذلك خير.

فانطلق صاحبي، وبعد صلاة العشاء بمدة يسيرة اتصل بي، وقال بصوت مرتفع: الحمد لله، لقد فعلت ما اتفقنا عليه، ففرح والدي، واستبشر، ودعا لي، وشكرني، وقال: الأمر إليك وفي أي وقت تشاء الذهاب إليهم فأعلمني.

فقلت لصاحبي: الحمد لله، وآمل منك التواصل مع والدك، ولعل هذا الزواج مبارك عليك، ولعل من أول بركاته أن تفتح صفحة جديدة في العلاقة مع والدك، فما عليك إلا المواصلة، والاستمرار، وسترى أن للحياة طعماً آخر في القرب من الوالدين، والاستظلال بِطِرَافِهما السامي الذُّرا.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير