تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

من قوله تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ)

ـ[مهاجر]ــــــــ[09 - 12 - 2008, 08:20 ص]ـ

من قوله تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا)

استدل بعض النصارى عندنا في مصر بهذه الآية على كون إله المسلمين، بزعمه، يأمر بالفسق!!!.

وإشكالية القدر: إشكالية متأصلة في الديانة النصرانية، ومما أثر عن عمر، رضي الله عنه، أنه خطب بالجابية، والجاثليق، (وهي رتبة من رتب النصارى)، ماثل بين يديه، والترجمان يترجم فقال عمر: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، فقال الجاثليق: إن الله لا يضل أحدا، فقال عمر: ما يقول؟ فقال الترجمان: لا شيء، ثم عاد في خطبته، فلما بلغ: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، فقال الجاثليق: إن الله لا يضل أحدا، فقال عمر: ما يقول؟ فأخبره، فقال: كذبت يا عدو الله، ولولا عهدك لضربت عنقك، بل الله خلقك، والله أضلك، ثم الله يميتك، ثم يدخلك النار، إن شاء الله، ثم قال: «إن الله تعالى لما خلق آدم نثر ذريته، فكتب أهل الجنة وما هم عاملون، وأهل النار وما هم عاملون، ثم قال: هؤلاء لهذه، وهؤلاء لهذه».

"الشريعة"، ص173.

بل إن مقالة نفي القدر إنما سرت إلى القدرية والمعتزلة من نصارى زمانهم، وأول من أثرت عنه مقالة نفي القدر: معبد الجهني الذي أخذها من "سوسن" النصراني، على اختلاف في اسمه، الذي أسلم ثم تنصر كما ذكر ذلك الأوزاعي رحمه الله، الشاهد أنهم خاضوا معهم جدالا في أصول الدين غير مسترشدين بالوحي المنزل، كتابا وسنة، بل بمحض أقيستهم العقلية، فقاسوا أفعال الله، عز وجل، على أفعال عباده، قياس شمول فاسد، فإنه لا يتصور في عالم البشر أن يكتب أحدهم على الآخر شيئا، ثم يؤاخذه عليه، فتلك قاعدة قياسهم العقلي الذي أجروه على أفعال الله، عز وجل، فغلبوا جانب الحكمة في أفعاله على جانب القدرة، فأداهم ذلك إلى وصفه، عز وجل، بالجهل، فلا يعلم المقادير إلا بعد وقوعها، فيسجلها على عباده تسجيل المؤرخ الذي يدون الأحداث أولا بأول!!!!، ومن قال بأنه يعلم قال بأنه لا يكتب، فمشيئة العباد لا تخضع لمشيئته الكونية النافذة، فيقع في كونه ما لا يريده كونا!!!!، فلزمهم وصف الله، عز وجل، بالعجز!!!!، وعلى النقيض: غلا الجبرية في الطرف الآخر: فغلبوا جانب القدرة على جانب الحكمة، فسلبوا العبد قدرته، أو جعلوها قدرة تقترن بالفعل اقتران العلامة بما تدل عليه، فأفعال العباد تقع عندها لا بها!!!، وهو قول أصحاب: "نظرية الكسب" التي لا يمكن، عند التحقيق، تصورها في الأذهان، فإما قدرة مؤثرة، وإما لا قدرة أصلا، فهي عند التحقيق محاولة غير ناجحة للتوسط بين مذهب أهل السنة ومذهب نفاة القدر أيا كانوا.

وأما أهل الإسلام من أهل السنة فلا إشكال عندهم في هذا الباب لأنهم يجمعون بين طرفي: القدرة والحكمة، فلا يغلبون طرفا على طرف، فالله، عز وجل، حكيم، يعطي الإيمان والطاعة للمؤمن فضلا، ويمنعهما الكافر والعاصي عدلا، لمصلحة ترجح مصلحة إيمانه أو طاعته، وهذا مقتضى حكمته، فإن كفر الكافر وعصيان العاصي، وإن كان غير مراد لله، عز وجل، شرعا، بدليل أمره بنقيضهما من الإيمان والطاعة وإن سبق في علم الله عز وجل أنه لا يؤمن ولا يطيع، إلا أنهما سبب لحصول مصلحة تفوق مصلحة إيمانه وطاعته، فمفسدة كفر إبليس ومعصية آدم، عليه السلام، وخروجه من الجنة، غير معتبرة في مقابل المصلحة التي حصلت بذلك، فلولا نقص الكفر لما عرف فضل الإيمان ولعطلت عبوديات التوبة والدعاء والصبر والجهاد .............. إلخ من المرادات الشرعية التي يحبها الله، عز وجل، فكان ذلك المكروه في مقابل تلك المحبوبات غير معتبر، وتلك عين الحكمة الإلهية. فلا تعارض حكمته بقدرته، فصفاته العلية لا تتعارض إلا في أذهان سقيمة لم تستضئ بنور الوحي.

يقول ابن أبي العز رحمه الله:

"فإن قيل: كيف يريد الله أمرا ولا يرضاه ولا يحبه؟ وكيف يشاؤه ويكونه؟ وكيف تجتمع إرادته له وبغضه وكراهته؟

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير