تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

إذن فالوصية في مقدمة هذه الدروس العلمية أن يهتم الجميع في القرآن حفظا وتلاوة، ثم الاهتمام بتدبر القرآن وتفسيره عبر كتب التفسير المعتمدة، وخاصة كلام الصحابة والتابعين وتابعيهم والمأمونين من أئمة أهل العلم والدين والتفسير.

الموضوع كما سمعتَ؛ مقاصد السور، العلم بمقاصد السور لم ينص عليه الأوائل، وإنما اعتبره الصحابة والتابعون –بالاستقراء-، اعتبروه في تفسيرهم، ولكن لم ينص على هذا العلم بهذا الاسم إلا عند المتأخرين، وذلك شأن جميع العلوم، فإن العلوم كانت ممارسة عند السلف، لكن لم تكن التسمية موجودة، فعلم النحو كان ممارسا ولم يكون موجودا، البلاغة كانت ممارسة ولم تكن موجودة، علم أصول الفقه كان ممارسا في بعض الأحكام من القواعد الأصولية ولم يكن موجودا بهذا الاسم، وهكذا في علوم القرآن في أنحاء شتى، ومصطلح الحديث وعلوم أخرى.

فما المقصود بعلم مقاصد السور؟ معلوم أن الله جل جلاله هو الذي تكلم بهذا القرآن وأن القرآن كلامه ? وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ? فالقرآن كلام الرب جل جلاله، ومقاصد السور يُعنى بها عند أهل هذا العلم: الموضوعات التي تدور عليها آيات سورة ما. يعني أن سورة من السور التي في القرآن أو أن معظم السور أو كل السور لها موضوع تدور عليه الآيات والمعاني التي في هذه السورة، إذا عُلم هذا المقصد؛ يعني هذا الغرض هذا الموضوع، فإن فهم التفسير سيكون سهلا، بل سيفهم المرء كلام الأولين، وسيفهم كلام المحققين بأكثر مما إذا أخذ الآيات مجردة عن موضوع السورة كما سيأتي في مثال نستعرضه إن شاء الله تعالى.

وأصلا في بحث مقاصد السور لم يكن بحثه في تاريخ العلم مبكرا، فإنما بحث قبله بُحث يسمى المناسبات، والعلماء اختلفوا في موضوع المناسبات، ويعنون بها مناسبات الآي؛ هل الآية هذه جاءت بعد الآية لمناسبة؟ هل بين الآية الأولى والثانية رابط؟ والثانية والثالثة بينها مناسبة؟ هل هذه الآيات في نظامها بينها وبين موضوع السورة اتصال؟ هذا يبحث في علم التفسير ويبحث في إعجاز القرآن، ولهذا عد طائفة من العلماء أن من وجوه إعجاز القرآن، وهو المنزل آية وبرهان ومعجز للخلق أجمعين، أنّ من وجوه الإعجاز أن يكون للسورة موضوع تدور عليه، وأن يكون بين الآيات ترابط هذه الآية بعد تلك، هذه القصة بعد تلك لغرض معلوم.

لهذا قلّ من يطرق هذا الموضوع من المفسرين أو من العلماء ولعدم كثرة طرقه أسباب منها:

أولا: فيه نوع من الجرأة على كتاب الله جل وعلا، ولهذا ذهب طائفة من العلماء إلى أنّ السور ليس لها موضوعات، وإلى أنّ الآيات لا تناسب بينها، وهذا قال به قليلون وغُلطوا في ذلك، فموضوع السورة يحتاج إلى قراءة السورة عدة مرات وتدبر ذلك ومعرفة كلام العلماء في التفسير حتى نفهم هذه السورة ما الموضوع الذي تدور عليه.

السبب الثاني: أن كثيرين من أهل العلم لم يتناولوا التفسير إلا عبر مدرسة تفسير الآيات، ومدرسة تفسير الآيات منقسمة إلى مدرستين؛ مدرسة التفسير بالأثر ومدرسة التفسير بالاجتهاد، وكلها راجعة إلى تفسير الآية وتفسير الكلمات في الآيات، أما الربط بين الآيات فلم يكن من مدارس التفسير المعروفة، ما صار له ذكر ولا قوة عند أهل العلم بالتفسير.

والسبب الثالث في عدم اشتهار هذا الموضوع: أن من تجرأ وكتب فيه من أهل العلم، وقال: إن للآيات تناسب وإن للسور موضوعات. رد عليه طائفة من العلماء وغلطوه بل ورموه بالقول على الله جل وعلا بلا علم، فهاب كثيرون أن يدخلوا هذا المضمار؛ لأجل براءة الذمة، ولأجل ألا يحملوا أنفسهم ما لا يطيقون، وهذا مقصد صائب.

ولغير ذلك من الأسباب.

ولهذا نقول العلماء في موضوع تركيب الآيات، والتناسق بين الآيات، وأن هذه الآية بعد هذه الآية لغرض، وأن هذه القصة بعد هذه القصة لغرض، وأنّ القصة لها موضوع ومقصد، اختلف العلماء في هذا على ثلاثة أقوال:

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير