تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

وشهرته إنما دوت بالقسم الثالث من الكتاب الخاص بعلمي المعاني والبيان ولواحقهما من الفصاحة والبلاغة والمحسنات البديعية اللفظية والمعنوية، فقد أعطى لهذا كله الصيغة النهائية التي عكف عليها العلماء من بعده يتدارسونها ويشرحونها مراراً إذ استطاع أن ينفذ من خلال الكتابات البلاغية قبله إلى عمل ملخص دقيق لما نثره أصحابها من أراء وما استطاع أن يضيفه إليها من أفكار وصاغ ذلك كله صياغة مضبوطة محكمة استعان فيها بقدرته المنطقية في التعليل والتسبيب وفي التجريد والتحديد، والتعريف والتقسيم، والتفريع والتشعيب، وكان عمدته في ذلك كتابي عبد القاهر دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة والكشاف للزمخشري ونهاية الإيجاز في دراية الإعجاز للإمام الرازي الذي لخص فيه كتابي الإمام عبد القاهر الدلائل والأسرار

ومن الحق والإنصاف أن تلخيصه أدق من تلخيص الفخر الرازي، وكأنما كان عقله أكثر دقة وضبطاً للمسائل في هذا الفن خاصة، بل لقد كان أكثر تنظيماً وأسد تقسيماً ٍ مع ترتيب المقدمات وإحكام المقاييس وصحة البراهين وبذلك استقام تلخيصه، بحيث ما نجد فيه عوجا أو انحرافاً، وإنما نجد فيه الدقة والقدرة البارعة على التبويب والإحاطة الكاملة بالأقسام والفروع، غير أن ذلك عنده لم يشفع بتحليلات الشيخ عبد القاهر، والعلامة الزمخشري التي كانت تملأ النفوس، إعجابا وبهجة واريحية، فقد تحولت البلاغة في تلخيصه إلى علم بأدق المعاني لكلمة علم، فهي قوانين وقواعد تخلو من كل ما يمتع النفس، إذ سلط عليها المنطق بأصوله ومناهجه الحاجة حتى في لفظها وأسلوبها الذي لا يحوي أي جمال ()

وحسبنا دليلا على ذلك أنه درس البيان في هذا الكتاب بالروح التي درس بها فيه إلى جانبه علم النحو وعلم الصرف وعلم الاستدلال وعلم العروض وعلم القوافي، وهذا ما لم يفعله أحد من الذين سبقوه إلى الكتابة في البيان لا لأنهم كانوا يجهلون تلك العلوم التي أحصاها السكاكي، ولكنهم نظروا إلى طبيعة هذا الفن فوجدوه علماً جمالياً، يدرس الأسباب والعوامل المؤدية إلى المتعة الفنية، وإحداث التأثير أو الإقناع في نفس قارئ الأدب وسامعه ()

ولعل أول ما يستدعي انتباه قارئه أنه أودع البلاغة علمين أساسيين هما: علم المعاني، وعلم البيان، وجعل علم البديع تابعا لهما، وكان عجيبا في تصوره لطريقة ضبط معاقد كل علم منها.

أولا: السكاكي وعلم المعاني:

كان منهجه في ضبط مسائل كل علم ثمرة لنظره في تعريفه، فقد عرف المعاني فقال: اعلم أن علم المعاني هو تتبع خواص تراكيب الكلام في الإفادة وما يتصل بها من الاستحسان وغيره ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ في تطبيق الكلام على ما يقتضي الحال ذكره) ()

ومن هذا التعريف وضع لعلم المعاني منهجه المحدد وأبوابه المعروفة، ولم يسبق لشيء مما ذكره في هذا التحديد والذي يلفتنا في هذا التعريف هو ذلك الربط القوي بين هذا العلم والنصوص الأدبية الرفيعة، إذ إنه يعني بالتراكيب تراكيب البلغاء المشهود لهم بالسبق والتفوق، وقد نظر السكاكي فوجد التعرض لخواص التراكيب موقوفاً على التعرض للتركيب، ثم إن التعرض لتراكيب الكلام وهي منتشرة أمر يصعب حصره فوجب المصير إلى إيرادها تحت الضبط، لتعيين ما هو أصل لها وسابق في الاعتبار ثم حمل ما عدا ذلك عليه شيئاً فشيئا على موجب المساق والسابق، في الاعتبار، ومعنى ذلك أنه سيضم القرين إلى القرين حتى لا تتناثر المسائل في غير نظام وسيضع كل مجموعة منها، وضعاً منطقيا دقيقا بحيث يجعل لها أصلا تتفرع منه أشتاتها ()

ونراه يبدأ بتوزيع مباحث المعاني على الخبر والطلب، ويعرض لمن عرف الخبر بأنه ما يحتمل الصدق والكذب ويقول إن ذلك شيء واضح معروف، فهما يجريان فيه، ولا يجريان في الطلب، وهو الاستفهام والتمني، والأمر والنهي، والنداء ()

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير