تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

أو لبيان عظم شأن ما بعدها، كما أشار إلى ذلك أبو السعود، رحمه الله، في تفسيره، كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، وأي شأن أعظم من شأن إفراد الباري عز وجل بالعبودية؟!!، وهذه قد ترجع إلى السابقة، لأن عظم شأن الأمر مظنة التنبه والإصغاء.

فيكون هذا ضابطا لنداء البعيد في القرآن، ففي نحو:

قوله تعالى: (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ): نداؤهم بـ: "يا" يدل على انتقاصهم النبيَ صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا تعظيم شأنه، لدلالة السياق على ذلك وهم بكل نقيصة أولى.

وكذا في قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ): النداء لغافل ضال عن الحق، فمنزلته في الغي والضلال بعيدة عن جادة الصواب وهكذا يلتمس لكل موضع ما يناسبه.

قوله: "الذين":

الأسماء الموصولة من أقوى صيغ العموم، فيستفاد منها عموم الحكم في حق من شملتهم صلتها وهم هنا: المتصفون بالإيمان، وهذا، أيضا، أمر مطرد، حتى في الاسم المفرد سواء أكان:

مشتركا كـ: "من" في قوله تعالى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).

أو: مختصا كـ: "الذي" في قوله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ)، فهما مفردان في اللفظ، مجموعان في المعنى بدليل عود ضمير الجمع عليهما في: "وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ"، و: "ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ".

وكذا في قوله تعالى: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ): فأفرد اللفظ: "الذي"، وجمع الإشارة والضمير: "أولئك هم"، والأصل في آي التنزيل: العموم لئلا تهدر النصوص بقصرها على أفراد بعينهم، كأعيان من نزلت فيهم الآيات.

قوله تعالى: (لَا يَسْخَرْ قَومٌ):

الفعل في سياق النهي والنفي يفيد العموم، أيضا، لأنه ينحل عن زمن ومصدر، والمصدر هو المعنى الذي اشتق منه الفعل، وهو هنا: السخرية، فتكون الآية نصا في نفي كل أنواع السخرية، وقد دخلها العموم، أيضا، من جهة ورود النكرة: "قوم" في سياق النهي، وهي، أيضا من صيغ العموم، فآل المعنى إلى: لا يسخر أي أحد من أي أحد بأي نوع من أنواع السخرية، ولا شك أن التعميم في الأوامر والنواهي يفيد نوع توكيد، فهو يقطع الاحتمال ويزيل الإجمال، وهذا، أيضا، أمر مطرد في مثل هذه المواضع.

قوله تعالى: (وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء):

إما أن يكون خصوصا بعد عموم: "قوم"، إذا قصد بها عموم الجنسين، فتفيد التنبيه على تفشي هذا الأمر في مجتمعات النساء لطول كلامهن وقصر صمتهن، وهو مظنة السخرية واللمز، فتكون هذه فائدة، يقابلها احتمال أن يكون القوم المذكورون ابتداء: الرجال، ثم عطف عليهم النساء: عطف مغايرة، كما في قول زهير:

وما أدري وسوف إخال أدري ******* أقوم آل حصن أم نساء

أراد: أرجال آل حصن أم نساء، ويعضد هذا الاحتمال ما قرره العلماء من: أن السياق إذا دار بين التأسيس والتوكيد، فحمله على التأسيس أولى، لأنه ينشئ معنى جديدا، فذكر النساء بعد الرجال أفاد معنى جديدا لأن النساء غير الرجال بخلاف ذكرهن بعد عموم يشملهن، فهن مذكورات ابتداء ضمنه، ومخصوصات انتهاء بإفرادهن باسم لا يشاركهم الرجال فيه.

وقد بسط الشيخ الشنقيطي، رحمه الله، في "أضواء البيان"، القول في هذه القاعدة في تفسير قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

وكلا الأمرين محتمل، لأن لكل منهما مرجحا.

والخصوص بعد العموم، والعموم بعد الخصوص من الأساليب التي تستحق العناية عند تحليل أي نص تحليلا بلاغيا.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير