تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

فلم يفر يوما من عدو، إذ ذلك لا يتصور من آحاد المؤمنين الممتثلين لنص الشارع على حد التحريم الذي دل عليه النهي المذيل بالوعيد في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)، فلا يكون وعيد كهذا إلا على مقارفة كبيرة محرمة على ما اطرد من كلام أهل العلم في تقرير ضابط الكبيرة، والأنبياء عليهم السلام منزهون عن ذلك، ولم يخش قط غير الله، عز وجل، ولم يتول يوما إلا الله، عز وجل، فأرشد أصحابه لما انكسروا يوم أحد إلى الجهر بـ: " الله مولانا ولا مولى لكم"، ومن كان ذلك حاله من كمال القوة القلبية، فله منها أعظم قدر أوتيه بشر، كيف يتصور منه جبن أو خور، حاشاه صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

والشجاعة كما قرر أهل العلم تكون على ثلاثة أضرب:

الأول: الشجاعة الدينية: وله صلى الله عليه وعلى آله وسلم منها النصيب الأوفر، لمكان عصمته وتأيده بالوحي، فقد بلغ هذا الدين كما أمر فلم يزد فيه ولم ينقص، ولم يداهن فيه بكتمان أو تحريف كما يقع من كثير من المنهزمين في زماننا، سواء أكانوا من المترسمين برسم العلم وليسوا لحمله بأهل، أو كانوا من الجهلة المتنفذين الذين ابتلينا بهم لزهدنا في الوحي المنزل، فكان عقاب الرب، جل وعلا، لنا بتسلطهم على أدياننا وأبداننا جزاء وفاقا، ولا يظلم ربك أحدا.

والثاني: الشجاعة السياسية: ومن تأمل سيرته صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سلمه وحربه ظهر له من حنكته السياسية ما يبلغ حد العبقرية، وهو مع ذلك لا يحيد عن الطريقة الشرعية، فليست سياسته: سياسة ملوكية جائرة على حد ما يمارس من ألاعيب على ساحات المسارح السياسية، بل هي سياسة شرعية نبوية على حد العصمة من الكذب والغش والنفاق أبرز صفات السياسي الناجح في هذا الزمان!.

والثالث: الشجاعة البدنية: وهي الشجاعة التي تظهر حال مباشرة القتال، ولم يعرف له نظير صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوة بدنه وتماسك أعضائه، فهو بادن على حد التماسك لا الترهل الذي يصيب كثيرا من البادنين. ومن مأثور وصفه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما روي عن هند بن أبي هالة التميمي، رضي الله عنه، في وصف خَلقِه، وفيه: "معتدل الخلق بادن متماسك، سواء البطن والصدر، عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين". اهـ

ومن وصفه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو النبي المقاتل: "بعثت بين يدي الساعة بالسيف، حتى يُعبد الله وحده لا شريك له. وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلة والصَّغارُ على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم". اهـ

فسيفه، كما تقدم في أكثر من موضع، سيف قاطع لأعداء الملة من الطواغيت المتنفذين الذين تسلطوا على الأديان والأبدان برسم القهر، فجاء سيف النبوة حاسما لأدوائهم شافيا لوساوس صدورهم إذ أزال كل عائق يحول بين الرسالة وأمم الأرض، فلا بد أن تبلغهم الرسالة على حد تقوم به الحجة، وقد اقتضت سنة التدافع الكونية ألا يكون ذلك بلا قتال لأعدائها، إذ ما انفكوا يثيرون حولها الشبهات فيشوهون أخبارها وأحكامها في أعين أتباعهم، فلا تصل الرسالة في أغلب الأحيان إلا بإراقة دماء أتباع الرسالة شهادة، وإراقة دماء أعدائها ممن تقلدوا السيوف لحربها فأظهروا لها العداء بالقول والفعل، إراقة دمائهم: قربانا إلى الرب الجليل تبارك وتعالى، فذلك مقام جلال يلائمه استحضار أوصاف الجلال الربانية من: جبروت وقهر وكبر على حد قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما رأى أبا دجانة، رضي الله عنه، يمشي مختالا بين الصفين: "إِنَّهَا مِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ إِلا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ"، فليس الاختيال في المشية محمودا إلا في هذا الموضع إظهارا للبأس في معرض تخذيل العدو بإدخال الرهبة عليه.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير