تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[الإعجاز البلاغي في القراءات وقفات تأملية (1)]

ـ[د/محمود شمس]ــــــــ[20 Feb 2009, 06:57 م]ـ

0]

[الإعجاز البلاغي في القراءات وقفات تأملية (1)]

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا،من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له،واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم- تسليماً كثيراً. وبعد:

فمما لا شك فيه أن القراءات وحي منزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيها من الإعجاز البلاغي ما أعجز الخلق جميعا.

وفي البداية أبين مفهوم الإعجاز البلاغي وهو كما يقول الخطابي وهو أحد علماء البلاغة المعروفين:

بعد أن ذكر وجوهاً للإعجاز وأبَان عن موقفه منها بيْن الإبطال والتضعيف بيَّن أن وجه الإعجاز الذي يرتضيه هو: الإعجاز البلاغي قال: ............ ...... ثم اعلم أن عمود هذه البلاغة التي تجتمع لها هذه الصفات هو: وضع كل نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخص الأشكل به الذي إذا أبدل مكانه غيره جاء معه:

أ- إما تبدّل المعنى الذي يكون منه فساد الكلام،

ب - وإما ذهاب الرونق الذي يكون معه سقوط البلاغة ا هـ.

قلت: إذن– الإعجاز البلاغي -هو وضع كل حرف وكل كلمة في موضعها لإفادة المعنى المراد الذي أراده الله تعالى، ولا يمكن أن يؤدي هذا المعنى بغير ذلك، لأن القرآن الكريم كلام الله تبارك وتعالى، ومن ذا الذي يستطيع أن يتعمق في النفس البشرية فيعلم خفاياها وما يصلحها حتى يضع اللفظ في موضعه الذي يؤدي المعنى المراد غير الله سبحانه وتعالى؟. وهذا الأمر واضح جلي في كتاب الله-عز وجل- وسأذكر مثالاً واحداً لكل نوع من الألفاظ مبرزاً الإعجاز البلاغي في وضع الحرف والكلمة في موضعها.

الأول: الإعجاز البلاغي في وضع الحرف في موضعه.

1 - في قوله تعالى: وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ [هود/58]

2 - وقوله عز وجل: وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ [هود/94]

3 - وقوله سبحانه وتعالى: فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ [هود/66]

4 - وقوله عز وجل: فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُود ٍ [هود/82]

فهذه أربع آيات وردت في قصص الأنبياء في سورة "هود"، وتجد الحق جل وعلا ابتدأ آيتين منهما بالواو في قصتي هود، شعيب - عليهما السلام)، وابتدأ الآيتين الأخريين بالفاء في قصتي (صالح، ولوط عليهماالسلام)،

فما سر هذا التغاير؟ وهل يمكن وضع الواو في موضع الفاء أو العكس؟

أقول وبالله التوفيق:

لو تأملت لأدركت سرالإعجاز البلاغي في ذلك، فالفاء تفيد الترتيب والتعقيب والسرعة، ولما كان الوعيد بالعذاب في قصتي (صالح، لوط) عليهماالسلام محدداً بميقات معلوم ووقَعَ العذابُ عقيب الوعيد في الميعاد المحدد كان العطف بالفاء في هاتين القصتين؛ لإفادة التعقيب ووقوع العذاب في الموعدالمحدد دون تأخير،

ففي قصة صالح قال الله تعالى: فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ [هود/65]، وفي قصة لوط قال الله عز وجل:

إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ [هود/81].

أما في قصة شعيب وهود " فقد كان الوعيد غير محدد، بل كان وعدا مفتوحا، وكان بين الوعدووقوع العذاب زمن، فكان العطف بالواو التي تفيد مطلق الجمع.

قال جل وعلا في قصة هود: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ [هود/57]

وقال تعالى في قصة شعيب:وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ [هود/93]؛

فتجد الوعد ههنا غير محدد بميقان محدد فكان العطف بعدها بالواو، وليس بالفاء، وهذا سر من أسرار التعبير القرآني المعجز الذي يضع الحرف في موضعه دليلا على أنه كلام الله - سبحانه وتعالى -. والله أعلم.

وجه الإعجازالبلاغي في ذلك:

مما تقدم يتبين لنا أن الحق جل وعلا وضع كل حرف في موضعه لتأدية المعني المراد بحيث لووضعنا الواو موضع الفاء أوالعكس لكان هناك خلل في المعنى المراد، أوعدم تناسب مع السياق، وبالتالي لن يؤدي المعني المقصود، وفي هذادليل علي أنه كلام الله "جل وعلا " المعجز حيث تجد كل حرف في موضعه ليؤدي المعنى المقصود المناسب للسياق وهذا لايقدرعليه إلا الله (عزوجل). والله أعلم.

ودائما يرد ههنا سؤال يتردد في ذهن الكثير منا؛ وهو:

إذا كان القرآن الكريم يتكون من نفس الحروف والكلمات التي نستعملها؛ فما وجه الإعجاز فيه؟ ................... ؟؟

والسؤال مطروح للمشاركة من الإخوة الأفاضل وسأجيب عليه بحول الله وقوته في لقائي القادم بكم إذا شاء الله تعالى؟

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.

محمود شمس

قسم القراءات جامعة الطائف. [/ color]

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير