تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[الانتزاع من الوطن]

ـ[زنوبيا]ــــــــ[13 - 05 - 2007, 10:15 ص]ـ

السلام عليكم

أخوتي أعضاء وزوار الفصيح، أحببت أن أنقل لكم مقالة للدكتورة القديرة لطيفة النجار، التي نشرتها في جريدة البيان الإماراتية، ولذلك لما أحدثته هذه المقالة من تأثير في نفسي.

"

[الانتزاع من الوطن]

بقلم:د. لطيفة النجار

قلت لصديقتي ونحن نتحدث عن فعل القراءة، ما تفعله القراءة في ذواتنا، أرواحنا، أفكارنا،. تلك اليد الخفية السحرية التي تمتد إلى أعماقنا السحيقة البعيدة، تغرس بهدوء، وأحيانا بصخب شديد، بحنان، وأحيانا بقسوة شديدة، فكرة غريبة، سؤالا يظل معلقا بلا جواب، صورة ناعمة، إحساسا مبهما، تغرس، تغرس، ثم تسوي الأرض بأصابع الحكمة والتبصر، تربت على التربة مرة أو مرتين، وتختفي، بصمت، تتلاشى في فضاء الزمان والمكان.

ولكن الغرس يبقى، يحتضنه دفء الفؤاد، يسقيه من ماء التجارب، يغذيه بالتأمل، والتفكير، والغوص بعيدا بحثا عن معرفة جديدة، وبالقراءة أيضا يغذيه، غرس ينبت في الأعماق هناك، يتحرك في الداخل، فيحرك الخارج، ويهديه، ويعلمه، ويسير معه في مسارات الحياة الكثيرة المتشعبة، بصمت يقول له تذكر أنك يوما قرأت في مثل هذا الأمر، هل تذكر حين قرأت في تجربة مشابهة، ماذا حدث حينها؟ كيف كانت التجربة بالنسبة لذلك الشخص؟ ماذا فعل؟ هل تذكر كيف بكيت مرة وأنت تقرأ في مثل هذا؟

قلت لصديقتي، ونحن نتجاذب أطراف الحديث: حين أقرأ كتابا جيدا، رواية مثلا، أشعر أنّ هناك يدا تمتد من الكتاب وتجذبني إلى الداخل، داخل الكتاب، وحين أغلق الكتاب، أتوقف عن القراءة لسبب ما، أشعر أن هناك هالة خفية لا ترى تحيط بي، فأنا أفكر فيما حدث، وما يمكن أن يحدث؟ وكيف حدث ذلك؟ ولماذا؟ كيف يمكن أن يكون في الحياة نمط من البشر كشخصية كذا؟ وهل يعقل أن يتصرف الناس في الحياة كما تصرفت شخصية كذا؟

وما أشد ما يحير الإنسان أن يكون في مثل الموقف كذا؟ وقد يجوز أن يصل الإنسان إلى هذه الدرجة من القسوة أو الأنانية أو التفاني أو، أو، وإن الإنسان كائن مثير للشفقة حقا، فكيف يستطيع أن يظلم كل هذا الظلم ولا يهتز في أدنى شعور بالذنب أو الندم؟، دوائر من الأسئلة تنداح بلا نهاية في خاطري، وأنا داخل تلك الهالة الخفية، التي تفصلني عن العالم، ومع ذلك فهي تصلني به، إنني أرى الناس، وأتحدث معهم، وأسألهم عن أحوالهم، إنني أرى طلابي، وأحضر محاضراتي، أكتب، أتحدث في الهاتف، أواصل حياتي اليومية كالمعتاد.

ولكني حين أكون على موعد مع كتاب أكمله في آخر النهار، يمتلئ وقتي بالتأمل، وأكون كمن هو على موعد مع شيء جميل، وحين تجرفني الشواغل عن القراءة، فليس هناك كتاب أكمله، ولا أسئلة تنثال علي داخل هالتي الخفية، أشعر بالفراغ، فراغ كبير، إنني في الحقيقة أشعر بالفقد، كمن فقد شيئا، جزءا حقيقيا من ذاته، فهو في بحث عنه، يبحث، ويتساءل من أين أتى هذا الفراغ الكبير؟ أين ما يملؤه ويسكّن الروح والعقل والفؤاد؟

قالت لي صديقتي، وهي تدرك ما أقول: إنني حين أقرأ وترتعش روحي لسطر جميل أو صورة موحية أو كلمة معبرة أتذكر أنّ هذا يحصل بسبب اللغة،. إنها اللغة التي تفعل هذا الفعل فيّ، حين تمر عيناي على كلمات في نص، فأتوقف، وأرفع رأسي قليلا، وأغمض عيني، وأسمح لنفسي أن تتخيل روعة المنظر أو الصورة، أو أمنح نفسي فرصة أن تعي كل التفاصيل الرائعة التي عرفتها الآن فقط وأنا أتابع بعيني سواد الكلمات على بياض الورق، فإنني أكون ممتنة جدا للكلمات،. إنها اللغة التي تمنحنا ذلك.

ولذلك، فإن الأجيال الشابة حين تصارحنا بأنها لا تتفاعل مع اللغة العربية، ولا تفهم كثيرا مما يقال فإن هذا لأنهم لا يقرأون، ولا يمنحون أنفسهم فرصة أن يجربوا فعل القراءة تجربة حقيقية متأنية، يمارسون فيها فعل الصبر والمثابرة، إنهم دائما على عجلة من أمرهم، فهذا زمن السرعة الذي لا يتواءم مع الانفراد بكتاب في ساعة يسكن فيها الزمن، ويذوق فيها القارئ لذة العزلة عن ضجيج العالم الذي على عجل.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير