تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[شمعة الأرجاني]

ـ[فيشاوي]ــــــــ[31 - 01 - 2007, 10:37 ص]ـ

:::

القاضي ناصح الدين أحمد بن محمد الأرّجاني (1)

حامل لواء الشعر بالمشرق

وأحسَنْتُ بالأيّامِ ظَنّي فما وفَتْ

وما الحزْمُ بالأيّامِ أن تُحسنَ الظَّنّا

أنار الله بصيرتك بالعلم, ورفع قدرك بالمعرفة, ورزقك الذاكرة الواعية, أذكرك بحديثنا عن القصائد التي تركها لنا الأقدمون, والتي بلغوا فيها حد الإبداع حتى أنهم في تناولهم لموضوع قد يصلوا فيه إلى الكمال, الذي لا يترك لمن بعدهم إضافة أو استدراك.

ولما كنت في تلك الأيام أتدارس مع بعض الإخوان عدداً من القصائد, صادفتني قصيدة للقاضي ناصح الدين الأرجّاني (2) في وصف الشمعة (3) , توقفت عندها كثيراً, وقرأتها عدة مرات, ولعلك تذكر حديثنا عن الشاعر في حالة ابتكار قصيدة, وأننا ذكرنا أن الشاعر الصادق يمر بحالة من المعاناة, والتقلب, والتردد, والتوتر كلما سيطرت على ذهنة فكرة لقصيدة جديدة, ثم ما يلبث هذا التردد والتوتر أن ينضج, ويستوى على عوده فتعقبه حالة المخاض الفكري, فتخرج لنا قصيدة بها من الإبداع اللفظي, والصور البديعية, والجناس, وما شابه ذلك, مما يجعل القارئ يسأل نفسه كيف ومن أين أتى الشاعر بتلك العبارات, ولعلك تذكر أننا اتفقنا على أنه كلما كانت معاناة الشاعر مع الفكرة أشد, كلما جاءت قصيدته أصدق تعبيراً, وأرهف شعوراً, وأعذب ألفاظاً (4).

قرأت قصيدة القاضي ناصح الدين, والتي قال عنها العلماء أنه لم يأت أحد بمثلها في وصف الشمعة, فرأيته جالساً بخيمته (5) في ظلام حالك, مفكراً, متدبراً في أموره, وقد مر شريط حياته أمام عينيه, فهو قد عُمر حتى زاد على الثمانين (6) , ورحل جميع من كان يحبهم وبقي هو وحيداً.

مد يده وأخذ شمعة يشعلها ليبدد هذه الظلمة الحالكة, وما أن أشعل الشمعة (7) إلا وبدأ في تأملها والتفكر

فيها, تلك التي تكشف أسرار الظلام وتنير الليل فلا يبقى هناك غامض لا تراه, تلك التي تفني نفسها لنفع الآخرين, تحرق نفسها لتنير لغيرها الطريق, حياتها في احتراقها.

هل تلك الشمعة هي محبوبته التي لم تفارق خياله, أم تلك الشمعة هي نفسه (8) التي احترقت مرات ومرات, مرة صباً, ومرة ظلماً وحسداً من الآخرين, ومرة عدم تقدير الناس لعلمه (9)؟.

استمر القاضي في تأمل الشمعة والتفكر فيها وقتاً ثم أخذ في صياغة قصيدته, حيث يقول:

نمت بأسرار ليلٍ كان يخفيها*****وأطلعت قلبها للناس من فيها

قلبٌ لها لم يرعنا وهو مكتمنٌ*****إلا ترقيه ناراً في تراقيها

هل تلك الشمعة هي المرأة التي ظل القاضي يصف محاسنها في شعره ويتغزل فيها؟ نعم إنها هي, ولكنها هنا ليست تلك المليحة التي سلبت فؤاده في كل قصائده (10) بل تختلف عن محبوبته فهي ذات لسان ملهب حارق لا يفيدها, بشئ بل يجني عليها ويفنيها, فتبكي دموعاً ساخنة ذات لظى

سفيهةٌ لم يزل طول اللسان لها*****في الحي يجني عليها صرف هاديها

غريقةٌ في دموعٍ وهي تحرقها*****أنفاسها بدوامٍ من تلظيها

نعم تلك الشمعة هي تلك المرأة التي طافت بخيال شاعرنا وشغلت الكثير من قصائده, هي تلك الحسناء التي أذابته رقتها والتي احتلت الكثير من قصائده, وهزته دموع وجدها (11) , ولوعته بوعودها وعهودها , ثم اشتكت هجره لها

تنفست نفس المهجورة ادكرت*****عهد الخليط فبات الوجد يبكيها

يخشى عليها الردى مهما ألم بها*****نسيم ريحٍ إذا وافى يحييها

تلك الشمعة التي انبعثت تنير جوانب خيمته بضوء ساطع كما يفعل شهاب ثاقب يتبع شيطان مارد, ظهرت في ظلمة خيمته كتلك الغرة البيضاء الناصعة في وجه الفرس الأسود الحالك السواد.

بدت كنجمٍ هوى في إثر عفريةٍ (12) *****في الأرض فاشتعلت منه نواصيها

كأنها غرةٌ قد سال شادخها*****في وجه دهماء يزهاها تجليها

وتسيطر على شاعرنا محبته للمرأة وعشقه لها, فكلما حاول أن يبتعد في وصفه للشمعة عن صفات المرأة معشوقته, عاد به القصيد إليها ثانية, فها هو يرى شمعته الزوجة الثانية والتي تغار من الزوجة الأولى (الشمس) والتي هي المحبوبة لزوجها, فكلما غابت الشمس قامت الشمعة بتقليدها, لعلها تنال رضى ومحبة الزوج كما تناله الأولى.

أو ضرةٌ خلقت للشمس حاسدةٌ*****فكلما حجبت قامت تحاكيها

وحيدةٌ بشباة الرمح هازمةٌ*****عساكر الليل إن حلت بواديها

ما طنبت قط في أرض مخيمةً*****إلا وأقمر للأبصار داجيها

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير