تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[الحداثة في الأدب العربي - منقول -]

ـ[أبو يحيى زكرياء]ــــــــ[09 - 12 - 2006, 01:07 ص]ـ

تسللت الحداثة الغربية إلى أدبنا ولغتنا العربية وفكرنا ومعتقداتنا وأخلاقياتنا كما تتسلل الأفعى الناعمة الملمس لتقتنص فريستها، أن تشعر الفريسة بها إلا وهي جثة هامدة تزدردها رويدا رويدا، هكذا كان تسلل الحداثة إلى عقول معتنقيها وروادها وسدنتها من أدباء ونقاد ومفكرين على امتداد الوطن العربي

والحداثة كغيرها من المذاهب الفكرية، والتيارات الأدبية التي سبقتها إلى البيئة العربية كالبرناسة، والواقعية، والرمزية، والرومانسية، والوجودية، وجدت لها في فكرنا وأدبنا العربي تربة خصبة، سرعان ما نمت وترعرعت على أيدي روادها العرب، أمثال غالي شكري، وكاهنها الأول والمنظر لها علي أحمد سعيد المعروف " بأدونيس "، وزوجته خالدة سعيد من سوريا، وعبد الله العروي من المغرب، وكمال أبو ديب من فلسطين، وصلاح فضل، وصلاح عبد الصبور من مصر، وعبد الوهاب البياتي من العراق، وعبد العزيز المقالح من اليمن، وحسين مروة من لبنان، ومحمود درويش، وسميح القاسم من فلسطين، ومحمد عفيفي مطر، وأمل دنقل من مصر، وعبد الله الغذامي، وسعيد السريحي من السعودية، وغيرهم.

وقد أشار غالي شكري في كتابه "الشعر الحديث إلى أين؟ " إلى الروافد التي غذت بذرة الحداثة العربية فقال: " كانت هذه المجموعة من الكشوف تفصح عن نظرة تاريخية تستضيء بالماضي لتفسر الحاضر، وتنبئ بالمستقبل. فالمنهج الجدلي، والمادية التاريخية يتعرفان على أصل المجتمع، ثم يفسران أزمة العصر، أو النظام الرأسمالي، ثم يتنبآن بالمجتمع الاشتراكي الذي ينعدم فيه الصراع الطبقي ".

ويقول أدونيس في كتابه التابث والمتحول كما ذكر الدكتور محمد هدارة في مقال له نشر في مجلة الحرس الوطني السعودي: " لا يمكن أن تنهض الحياة العربية، ويبدع الإنسان العربي إذا لم تنهدم البنية التقليدية السائدة للفكر العربي، ويتخلص من المبنى الديني التقليدي الاتباعي ". وهذه الدعوة الصريحة والخبيثة في حد ذاتها دعوة جاهرة للثورة على الدين الإسلامي، والقيم والأخلاق العربية الإسلامية، والتخلص منها، والقضاء عليها.

ثم يقول أدونيس أيضا في مقابلة أجرتها معه مجلة فكر وفن عام 1987 م: " إن القرآن هو خلاصة ثقافة لثقافات قديمة ظهرت قبله. . . وأنا أتبنى التمييز بين الشريعة والحقيقة، إن الشريعة هي التي تتناول شؤون الظاهر، والحقيقة هي التي يعبرون عنها بالخفي، والمجهول، والباطن، ولذلك فإن اهتمامي بالمجهول ربما يأتي، ويتغير باستمرار، وهذا ما يتناقض مع الدين ".

مما سبق يتضح أن رواد الحداثة لم يكونوا دعاة للتجديد بمفهومه المتعارف عليه في اللغة ولا يعني بالأدب والشعر كما يدعون، وإنما هم دعاة للهدم والتخريب، كما يعلنون عن ذلك صراحة في كتبهم النقدية ودواوينهم الشعرية ومؤلفاتهم بشكل عام. فقد ضل كثير منهم يخلط بين الحداثة كمنهج فكري، يدعو إلى الثورة والتمرد على الموروث والسائد والنمطي بأنواعه المختلفة عقيدة ولغة وأدبا وأخلاقا، وبين المعاصرة والتجديد الذي يدعو إلى تطوير ما هو موجود من ميراث أدبي ولغوي، والإضافة عليه بما يواكب العصر، ويتواءم مع التطور، منطلقا من ذلك الإرث الذي لا يمكن تجاوزه بحال من الأحوال، فهو عنوان الأمة، ورمز حضارتها، والأمة التي لا موروث لها لا حضارة لها، وجديدها زائف ممجوج.

وقد تسللت الحداثة الغربية إلى فكرنا العربي في غفلة دينية لدى الكثيرين من المثقفين العرب المسلمين، وإن كان القلة منهم هم الذين تنبهوا لهذا الخطر الداهم للغتهم وعقيدتهم وأدبهم على حد سواء، فحاولوا التصدي لها بشتى الطرق والوسائل المتاحة والممكنة، ولكن سدنتها كانوا أسرع إلى التحايل على الجهلة وأنصاف المثقفين ممن يدعون أنهم منفتحون على الفكر الغربي وثقافته، ولا بد أن يواكبوا هذا التطور ويتعاملوا معه بما يقتضيه الواقع، وإن كان واقعا مزيفا لا يخطف بريقه إلا عقول الجهلاء والأتباع.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير