تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ومادة الكتب: تفيد الجمع، فذلك معناها الكلي المشترك، وهو ينقسم في الخارج تبعا للقيد الذي يرد عليه، فمنه: الكتب المحسوس، ومنه قيل للفرقة المجتمعة من الجيش: كتيبة، لاجتماع أفرادها، فكتب الأبدان: جمعها، ومنه الكتب المعقول: فكتب الحروف جمعها لتصير كلمات، وكتب الكلمات جمعها لتصير جملا تفيد معان تدركها العقول، وكتب الآيات في التنزيل: جمعها لتصير سورا، وكتب السور جمعها لتصير قرآنا يتلى.

وهي مادة تفيد الحكم، فتنقسم إلى: شرعية وكونية، كما تقدم، أو هي من جهة دلالة اللفظ المكتوب على معناه المعقول: شرعيا كان أو كونيا تطلق ويراد به لازمها المعنوي من الحكم الذي تدل عليه، فالدليل الذي يدل على الحكم الشرعي، من قبيل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ): يدل على إيجاب الصيام إيجابا شرعيا، والدليل الذي يدل على الحكم الكوني، من قبيل: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ): يدل على إيجاب الغلبة لله ورسله إيجابا كونيا، وكلا القولين مؤداهما واحد سواء أقيل بأن مادة الكتابة تدل على الحكم بنفسها أم بلازمها: دلالة المكتوب المقروء على معناه المعقول.

والكتاب: إما أن يطلق ويراد به المصدر وهو فعل الخط كما حكى صاحب اللسان رحمه الله في مادة "كتب"، أو يراد به الكتاب الذي يحوي المكتوب، فيقال: هذا كتاب الأمير إلى نوابه، إشارة إلى ذات الرقعة أو الورقة التي يكتب فيها، أو يراد به المكتوب فيه، فيقال: جاءني كتاب من فلان أن افعل كذا وكذا، فتكون: "أن" تفسيرية لذلك الكتاب بما أورد فيه من كلمات مكتوبة تأويلها: تصديقها إن كانت أخبارا أو امتثالها إن كانت أحكاما.

وإنما أراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا السياق كما تقدم: الكتابة الكونية، المرتبة الثانية من مراتب القدر، فما كتب عليه من العلم الأزلي بتناوله من تلك الذراع، فهو كائن لا محالة، وتأويله ما وقع بعد كتابته بمشيئة الرب، جل وعلا، وقوعه، فخلقه لتلك الشاة وذلك السم وتلك المرأة، وخلقه لإرادة الكيد للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قلبها، وخلقه لفعلها إذ سمت الذراع، وخلقه لفعل التناول منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخلقه لمفعول ذلك السم بما أودع الله، عز وجل، فيه من القوى المؤثرة، فشاء الرب، جل وعلا، ألا يجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجعها في حينها، وقد رده بعض الباحثين الأفاضل في الإعجاز الطبي في السنة النبوية إلى تناوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لحبات العجوة تأويلا لقوله: "من تصبح كل يوم بسبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سم أو سحر" وقد خص بتمر المدينة في رواية: "من أكل سبع تمرات عجوة مما بين لابتي المدينة على الريق لم يضره يومه ذلك سم ولا سحر وإن أكلها حين يمسي لم يضره حتى يصبح"، فقد ثبت أن التمر يعمل كمادة ماصة أو مستخلصة للسموم من أنسجة الجسم ويركزها في الطبقة التي تلى الجلد مباشرة فهي بمنزلة سلة المهملات التي تجتمع فيها مخلفات الجسم، ولذلك يوصي الأطباء بعدم تناول جلود الطيور كالدجاج والبط ونحوه، إذ ذلك الجلد مع كونه مشبعا بمواد دهنية رديئة تصيب الأوعية الدموية في مقتل: يحوي أيضا السموم التي يطردها جسم الطائر إلى تلك الطبقة، مع ما في طيور زماننا، لا سيما في الدول التي حققت الرفاهية الغذائية كمصر!، من آثار الهرمونات والمواد الفاسدة التي تحقن بها الطيور أو توضع لها في أعلافها، ثم شاء الرب، جل وعلا، أن يبقى في جسده الشريف صلى الله عليه وعلى آله وسلم منها أثر، وجده بعد ذلك، كما تقدم في قوله لعائشة رضي الله عنها.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير