تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

وقول عمر رضي الله عنه: إعمال لما أهمله ذلك القدري من قدرة الله، عز وجل، فهو كسائر القدرية: أعور عين القدرة صحيح عين الحكمة، فلا يرى إلا جانب الحكمة وفق ما يدركه عقله من صور الحكمة الأرضية المشاهدة، على ما تقدم مرارا، من قياس المشبهة في الأفعال من القدرية النفاة: فعل الرب، جل وعلا، على فعل العبد، فما يحسن من العبد يحسن من الرب، وما يقبح منه يقبح من الرب، جل وعلا، وغالبا ما يكون الفساد في التصورات والإرادات من هذا الباب، بإساءة الظن بالرب، جل وعلا، بقياس فعله، وهو الغني، على فعل عبده، وهو الفقير، فتكون حكمة الرب، جل وعلا، المغيبة من جنس حكمة العباد المشاهدة، وأي إساءة أعظم من ذلك، وما عصي الباري، عز وجل، إلا فرعا عن ذلك، فالمغرور قد أساء الظن بأوصاف جلاله، فاجترأ على حرماته، واليائس القانط قد أساء الظن بأوصاف جماله، فقعد عن سؤاله، وإنما المسدد الموفق من حقق ركني العبودية الاختيارية: المحبة رغبة في آثار أوصاف جماله، والخشية رهبة من آثار أوصاف جلاله.

فالله خلق الجاثليق بقدرته، والله أضله بذات القدرة، ولم يخل الفعل من الحكمة، بل هو عينها، إذ قدر، عز وجل، عدم قبول ذلك المحل لآثار الخير، وذلك فضله يؤتيه من يشاء فلم يمنعه شيئا كان له لتصح له حجة عليه، فقطع مادة الخير عنه، ولو وضعها فيه لكان ذلك على خلاف الحكمة الربانية، فمقتضاها، كما تقرر مرارا، وضع الشيء في موضعه، فللهداية محال تليق بها وللغواية محال تليق بها، وقد جعل الله لكل شيء قدرا.

فـ: خلق الله، عز وجل، الأعيان الظاهرة، وخلق فيها قوى الهم والحرث، وخلق فيها الإرادات الباطنة، ويسر لكل نفس ما يلائمها من أسباب الخير أو الشر، وخلق فيها مباشرة تلك الأسباب وفق ما علمه أزلا وكتبه في علم الغيب عنده، ولما تصر تلك النفس موجودة بعد، فجاء الفعل: تأويلا للمقدور الأزلي في عالم الشهادة الوجودي، فلم يتخلف منه شيء، فالرب، جل وعلا، قد أتقنه بحكمته وخلقه بقدرته.

يقول ابن القيم رحمه الله:

"وذكر الطبري عن أبي بكر الصديق قال: خلق الله الخلق فكانوا فى قبضته، فقال لمن فى يمينه: ادخلوا الجنة بسلام، وقال لمن في يده الأُخرى: ادخلوا النار ولا أُبالي، فذهبت إلى يوم القيامة". اهـ

ص101.

وذلك جار على ما تقرر مرارا من كون السعيد في يمينه، والشقي في الأخرى: فرعا عن حكمته فلم يكن الأمر خبط عشواء غير جار على سبيل الحكمة، تعالى ربنا عن ذلك علوا كبيرا، بل قد علم الله، عز وجل، وقدر أزلا، أن أصحاب اليد اليمنى أهل لطاعته، فيسر لهم أسبابها فضلا، وعلم وقدر أزلا أن أصحاب اليد الأخرى أهل لمعصيته، فيسر لهم أسبابها عدلا، فكلا الطرفين لم يظلم شيئا فبين الفضل والعدل يتقلبون.

يقول الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني، رحمه الله، في "السلسلة الصحيحة":

"إن كثيرا من الناس يتوهمون أن هذه الأحاديث - ونحوها أحاديث كثيرة

- تفيد أن الإنسان مجبور على أعماله الاختيارية، ما دام أنه حكم عليه منذ القديم وقبل أن يخلق بالجنة أو النار، وقد يتوهم آخرون أن الأمر فوضى أو حظ فمن وقع في القبضة اليمنى كان من أهل السعادة، ومن كان من القبضة الأخرى كان من أهل الشقاوة، فيجب أن يعلم هؤلاء جميعا أن الله: (ليس كمثله شيء) لا في ذاته ولا في صفاته، فإذا قبض قبضة فهي بعلمه وعدله وحكمته، فهو تعالى قبض باليمنى على من علم أنه سيطيعه حين يؤمر بطاعته، وقبض بالأخرى على من سبق في علمه تعالى أنه سيعصيه حين يؤمر بطاعته، ويستحيل على عدل الله تعالى أن يقبض باليمنى على من هو مستحق أن يكون من أهل القبضة الأخرى، والعكس بالعكس، كيف والله عز وجل يقول: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين. ما لكم كيف تحكمون). ثم إن كلا من القبضتين ليس فيها إجبار لأصحابهما أن يكونوا من أهل الجنة أو من أهل النار، بل هو حكم من الله تبارك وتعالى عليهم بما سيصدر منهم من إيمان يستلزم الجنة، أو كفر يقتضي النار والعياذ بالله تعالى منها، وكل من الإيمان أو الكفر أمران اختياريان، لا يكره الله تبارك وتعالى أحدا من خلقه على واحد منهما (فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر)، وهذا مشاهد معلوم بالضرورة، ولولا ذلك

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير