تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

فألهمني رشدي: ليصير المحل قابلا لوعدك، فيتحقق في أثر وصف جمالك في الدنيا والآخرة، والإلهام مسبوق بالدلالة بداهة فهو متضمن لها وزبادة فاستغنى بذكر الغاية عن ذكر الوسيلة توصلا إلى المراد مباشرة، فذلك من جوامع كلمه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إذ تلك الكلمات، عند التحقيق، مستودع أسباب الخير جميعها، فالرشد نقيض الضلال والغي، كما ذكر صاحب اللسان، رحمه الله، فهو مادة الصلاح تصورا وحكما، ورشد كل شيء بحسبه، كما يقول الفقهاء فالرشد في ولاية المال غير الرشد في ولاية النكاح ...... إلخ. ولا يكون رشد إلا في قيد التكليف الذي تنفر منه النفوس بحكم الجبلة، فلا تطيقه إلا نفوس مطمئنة بالعلم بالمآلات والعمل بأحكام النبوات.

قال صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله:

"والرشد الصلاح وفعل النافع، والمراد به: الشيء الصالح كله من الإيمان والأعمال الصالحة.

والغي: الفساد والضلال، وهو ضد الرشد بهذا المعنى، كما أن السفه ضد الرشد بمعنى حسن النظر في المآل، فالمعنى، (أي: معنى قوله تعالى: "وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا"): إن يدركوا الشيءَ الصالح لم يعملوا به. لغلبة الهوى على قلوبهم، وإن يدركوا الفساد عملوا به لغلبة الهوى، فالعمل به حمل للنفس على كلفة، وذلك تأباه الأنفس التي نشأت على متابعة مَرغوبها، وذلك شأن الناس الذين لم يروّضوا أنفسهم بالهدى الإلهي، ولا بالحكمة ونصائح الحكماء والعقلاء، بخلاف الغي، فإنه ما ظهر في العالم إلاّ من آثار شهوات النفوس ودعواتها التي يزيَن لها الظاهر العاجل، وتجهل عواقب السوء الآجلة، كما جاء في الحديث: {حفّت الجنة بالمكاره وُحفّت النار بالشهوات} ". اهـ بتصرف

وقني شر نفسي: تأدبا مع الله، عز وجل، في نسبة الشر إلى النفس وصفا، وإن كان من الله، عز وجل، خلقا، فالشر ليس إليك مرادا شرعيا، فلا تأمر بفحشاء، وإن كان إليك مرادا كونيا، فتقدر الشر على من شئت من عبادك بمقتضى مشيئتك النافذة وحكمتك الباهرة، فذلك متعلق عدلك، وتعافي من شئنت منها فذلك متعلق فضلك، فأنت أعلم حيث تجعل الهداية، وأعلم حيث تخلق الغواية.

والله أعلى وأعلم.

ـ[مهاجر]ــــــــ[19 - 11 - 2009, 03:35 ص]ـ

يقول ابن القيم رحمه الله:

"وروى سفيان الثوري عن خالد الحذاء عن عبد الله بن الحارث قال: قام عمر بن الخطاب بالجابية خطيباً فقال فى خطبته: "مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لهُ وَمَن يُضْلِلْ فَلا هَادِى لَهُ" وعنده الجاثليق، (وهي رتبة من رتب النصارى)، يسمع ما يقول، قال: فنفض ثوبه كهيئة المنكر، فقال عمر: ما تقولون؟ قالوا: يا أمير المؤمنين يزعم أنَّ الله لا يضل أحداً، قال: كذبت يا عدو الله، بل الله خلقك وهو أضلك، وهو يدخلك النار إن شاء الله، أما والله لولا عهد لك لضربت عنقك، إن الله خلق الخلق فخلق أهل الجنة وما هم عاملون، وخلق أهل النار وما هم عاملون قال: هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه". اهـ

ص101

فالجاثليق من النصارى، وهم في القدر على طريقة أهل الاعتزال في النفي، وإن شئت الدقة فقل إن المعتزلة هم الذين على طريقتهم في نفي القدر فالسابق لا يحمل عن اللاحق، وإنما الترتيب الزمني يقتضي حمل الخلف عن السلف، وبئس الخلف لبئس السلف فهو توارث للباطل على حد ما نرى في عصرنا من إحياء الجاهليات القديمة والمقالات الكاسدة، وهو الدور الذي لعبه المستشرقون، ولا زال أذنابهم من المستغربين والعلمانيين يلعبونه بنشاط وكفاءة، فيتفنن القوم في سرقة نحاتة أفكار الأولين ونسبتها إلى أنفسهم على حد التحقيق والتدقيق، وليس لدى أصحاب الشبهات جديد بل هي دورات متكررة لأقوال أشبعها أهل العلم ردا، فليس لهم من الذكاء ما يبتكرون به شبهة، بل محض تقليد في الباطل.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير