تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

أو أبى، فيباشر من مدافعة الأقدار، وهو لا يشعر أو يشعر وينكر مكابرة، يباشر من مدافعتها ما يقطع بفساد مقالته في كونه مجبورا لا اختيار له.

يقول ابن تيمية، رحمه الله، في معرض بيان وجوب الإيمان بالقدر والشرع معا ليستقيم أمر العبد:

"لَا بُدَّ مِنْ "الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ" فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِالْقَدَرِ مِنْ تَمَامِ التَّوْحِيدِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ نِظَامُ التَّوْحِيدِ فَمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ وَآمَنَ بِالْقَدَرِ تَمَّ تَوْحِيدُهُ وَمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ، وَكَذَّبَ بِالْقَدَرِ نَقَضَ تَوْحِيدَهُ وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِيمَانِ بِالشَّرْعِ وَهُوَ الْإِيمَانُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ كَمَا بَعَثَ اللَّهُ بِذَلِكَ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ كُتُبَهُ وَالْإِنْسَانُ مُضْطَرٌّ إلَى شَرْعٍ فِي حَيَاتِهِ الدُّنْيَا فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ حَرَكَةٍ يَجْلِبُ بِهَا مَنْفَعَتَهُ، وَحَرَكَةٍ يَدْفَعُ بِهَا مَضَرَّتَهُ؛ وَالشَّرْعُ هُوَ الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَنْفَعُهُ وَالْأَفْعَالِ الَّتِي تَضُرُّهُ وَهُوَ عَدْلُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ، وَنُورُهُ بَيْنَ عِبَادِهِ؛ فَلَا يُمْكِنُ لِلْآدَمِيِّينَ أَنْ يَعِيشُوا بِلَا شَرْعٍ يُمَيِّزُونَ بِهِ بَيْنَ مَا يَفْعَلُونَهُ وَيَتْرُكُونَهُ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالشَّرْعِ مُجَرَّدَ الْعَدْلِ بَيْنَ النَّاسِ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ بَلْ الْإِنْسَانُ الْمُنْفَرِدُ لَا بُدَّ لَهُ مَنْ فِعْلٍ وَتَرْكٍ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ هَمَّامٌ حَارِثٌ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {أَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ حَارِثٌ وَهَمَّامٌ} وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ مُتَحَرِّكٌ بِالْإِرَادَاتِ فَإِذَا كَانَ لَهُ إرَادَةٌ فَهُوَ مُتَحَرِّكٌ بِهَا وَلَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَ مَا يُرِيدُهُ هَلْ هُوَ نَافِعٌ لَهُ أَوْ ضَارٌّ؟ وَهَلْ يُصْلِحُهُ أَوْ يُفْسِدُهُ؟ ". اهـ

وإنما زجره أبو بكر، رضي الله عنه، وأغلظ له بهذا اللفظ، لأن سؤاله مئنة من اللجاج لا الاسترشاد، فهو مبتغ لأمر يفسد به نظام الكون، كما تقدم، فلو كان سائلا للاسترشاد ما استحق الزجر، ولا بد أن للمجلس بساطا يظهر منه حال السائل، فقد ينقل اللفظ إلينا مجردا من القرائن الحالية إذ قد انقضت فلا نراها فيظن الظان أن في الفعل تعديا، وليس فيه تعد عند التحقيق بل هو من الزجر والتعزير فهو من جنس فعل أبي هريرة، رضي الله عنه، لما حصب من سأله: من خلق الله؟!، فلا يتصور أن يرد هذا السؤال على لسان مسترشد طالب للحق.

فأنواع السائلين:

مسترشد، ومعتقد، ومعاند.

فالمسترشد: طالب للحق ابتداء، والمعتقد: مخلص يرجى استصلاحه، والمعاند: ضال مضل يرجى بجداله بيان حاله.

يقول شيخ الإسلام رحمه الله:

"فالظالم لم يؤمر بجداله بالتي هي أحسن فمن كان ظالما مستحقا للقتال غير طالب للعلم والدين فهو من هؤلاء الظالمين الذين لا يجادلون بالتي هي أحسن بخلاف من طلب العلم والدين ولم يظهر منه ظلم سواء كان قصده الاسترشاد أو كان يظن أنه على حق يقصد نصر ما يظنه حقا ومن كان قصده العناد يعلم أنه على باطل ويجادل عليه فهذا لم يؤمر بمجادلته بالتي هي أحسن لكن قد نجادله بطرق أخرى نبين فيها عناده وظلمه وجهله جزاء له بموجب عمله". اهـ

"الجواب الصحيح(1/ 136).

ويقول ابن القيم، رحمه الله، في "زاد المعاد" في معرض تخريج قول أبي بكر، رضي الله عنه، لعروة بن مسعود الثقفي، رضي الله عنه، وكان يومئذ على الشرك إذ أغلظ له القول في صلح الحديبية:

"وَفِي قَوْلِ الصّدّيقِ لِعُرْوَةَ اُمْصُصْ بَظْرَ اللّات دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التّصْرِيحِ بِاسْمِ الْعَوْرَةِ إذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ تَقْتَضِيهَا تِلْكَ الْحَالُ كَمَا أَذِنَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُصَرّحَ لِمَنْ ادّعَى دَعْوَى الْجَاهِلِيّةِ بِهُنّ أَبِيهِ وَيُقَالُ لَهُ اعْضَضْ أَيْرَ أَبِيك وَلَا يُكَنّى لَهُ فَلِكُلّ مَقَامٍ مَقَالٌ". اهـ

والله أعلى وأعلم.

ـ[مهاجر]ــــــــ[22 - 11 - 2009, 08:16 ص]ـ

يقول ابن القيم رحمه الله:

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير