"وذكر عن علي رضى الله عنه أَنه ذكر عنده القدر يوماً فأَدخل إصبعيه السبابة والوسطى فى فيه فرقم بهما باطن يده فقال: أشهد أن هاتين الرقمتين كانتا فى أُم الكتاب". اهـ
فكان فعله، رضي الله عنه، ترجمة عملية لعقيدة الإيمان بالقضاء والقدر في هذا الفعل اليسير، إذ كان تأويلا لما سطر في اللوح المحفوظ، وما علمه الرب، عز وجل، أزلا، من الأفعال عموما، والاختيارية خصوصا، فهي محل الشبهة عند كثير ممن خاض في القدر، فتلك المرتبان الأوليان من مراتب القدر، ثم جاءت مشيئته، عز وجل، أن يدخل علي، رضي الله عنه، إصبعيه في فيه ليرقم بهما باطن يده، في تلك اللحظة بعينها، فلا تتقدم ولا تتأخر عما جرى به القلم الأول، ثم جاء خلقه لها، عز وجل، فخلق في علي، رضي الله عنه، إرادة الفعل، وطاقته، وصحح له آلته، ثم خلق الفعل فيه على حد ما قدر فلم يتخلف من مقدوره شيء، بل قد جاء الفعل، كما تقدم، تأويلا يطابق ما قد كان عدما في الغيب فصار وجودا في الشهادة. فهذا تقدير الرب، جل وعلا، وفعله.
وأما فعل العبد فقد أبان عنه بساط المجلس إذ أراد علي، رضي الله عنه، أن يزيل شبهة أهل الجبر ففعله كان على حد الاختيار بإرادته المخلوقة فلم يجبره القدر على أن يدخل إصبعيه في فمه!، فذلك أمر ينكره الحس قبل الشرع والعقل، وأراد أن يزيل شبهة نفاة القدر إذ فعله قد جاء تأويلا لمقدور سابق فلم يكن استئنافا لأمر لم يعلمه الرب، جل وعلا، ويقدره سلفا، فجمع، رضي الله عنه، ما في قول كل طائفة من الحق، فقدرته، عز وجل، قاضية بوقوع الفعل لا محالة، وحكمته قاضية بوقوعه باختيار فاعله لتقام عليه الحجة من نفسه، وهو مع ذلك لا يكون إلا كما قدر من الأزل، ولو كان معصية أو فحشا، فيقع حينئذ بمقتضى الإرادة الكونية النافذة استجلابا لمصلحة أعظم، أو استدفاعا لمفسدة أعظم، وذلك وجه آخر من أوجه حكمته عز وجل غير ما تقدم من إقامة الحجة بوقوع الفعل على حد الاختيار لا الإجبار الذي يلزم من أثبته إبطال التكليف وتسفيه الأنبياء عليهم السلام إذ جاءوا بالأمر والنهي المتعلقان باختيار العباد وهم مجبورون ابتداء لا اختيار لهم!.
وكلام السلف، رضي الله عنهم ورحمهم، قليل ولكنه: كثير النفع والبركة، وأمثلتهم العلمية بسيطة، ولكنها مفهمة لا إلغاز فيها ولا تكلف.
والله أعلى وأعلم.
ـ[مهاجر]ــــــــ[24 - 11 - 2009, 08:14 ص]ـ
يقول ابن القيم رحمه الله:
"وقال ابن مسعود: لأن أعض على جمرة أو أن أقبض عليها حتى تبرد فى يدى أحب إلي من أن أقول لشيءٍ قضاه الله: ليته لم يكن". اهـ
ص102.
فليست دلالة أفعل التفضيل معتبرة في سياق كهذا، بل هي من باب المبالغة على حد:
قوله تعالى: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا).
يقول ابن حزم رحمه الله:
"وقوله تعالى: (آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) فصح أن الله تعالى خير من الأوثان ولا شيء من الخير في الأوثان.
وقال تعالى: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا) ولا خير في جهنم أصلا". اهـ
وقال في موضع آخر:
"قال الله تعالى: (آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) ولا خير أصلا فيما يشركون، وقال تعالى: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا) وليس في القرار في النار خير أصلا ولا فيها من حسن المقيل لا كثير ولا قليل نعوذ بالله منها". اهـ
وقول نساء قريش لعمر رضي الله عنه: (نَعَمْ أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
فلم يقصدن أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فظ غليظ، وعمر، رضي الله عنه، أفظ وأغلظ منه، وإنما أردن التوكيد على شدة عمر، رضي الله عنه، فـ: "أفظ وأغلظ" في هذا السياق بمعنى: فظ غليظ.
وقول شعبة رحمه الله: "لأن أزني أحب إلي من أن أدلس ولأن أشرب من بول حمار حتى أروي ظمئي أحب إلي من أدلس".
فذلك منه مبالغة في استقباح التدليس لا مئنة من تحسين أو استحلال الزنى أو شرب بول الحمير فلا رجحان فيهما من أي وجه!، مع كون التدليس، غير محرم، عند المحققين، إذ لا يعدو كونه إيهام سماع، والمذموم هو: ادعاء السماع، وهو الذي اصطلح على تسميته بـ: "سرقة الحديث".
¥