تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ـ[مهاجر]ــــــــ[13 - 12 - 2009, 08:40 ص]ـ

قال ابن القيم رحمه الله:

"وقال قتادة عن أبي السوار عن الحسن بن علي قال: قضي القضاء وجف القلم، وأمور بقضاء في كتاب قد خلا". اهـ

ص104.

فقضي القضاء قضاء كونيا مبرما لا رجوع فيه هو تأويل المسطور في الكتاب الأول فجاء المسطور في الكتاب الثاني الذي بأيدي الملائكة مطابقا له، فالأمر نافذ لا محالة سواء قيل بأن القضاء هو السابق والقدر هو تأويله اللاحق أو العكس، وهو الأقرب من جهة اللغة إذ يقدر الشيء أولا قبل وقوعه ثم يقضى في عالم الشهادة فيصير موجودا بعد أن كان معدوما.

فقد خلا في الكتاب الأول موت الحسن، رضي الله عنه، في سنة 49 هـ في شهر كذا في يوم كذا في ساعة كذا بل في لحظة كذا، بعلة أو سبب كذا، وآخر مطعومه ومشروبه في الدنيا هو كذا، وآخر منطوقه هو كذا، ومصيره في دار البرزخ كذا، ومرتبته في الجنة كذا، إذ هو ممن تواتر فضله على حد يقطع الناظر فيه بنجاته لا سيما على القول بأن ثناء المؤمنين مئنة من نجاة المثني عليه جزما، فكيف بمن أثنى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليه ووصفه بالسيادة، كما في حديث أبي بكرة، رضي الله عنه، مرفوعا: "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ"، فذلك بمنزلة القرينة التي تورث الناظر فيها علما ضروريا بنجاة الحسن، رضي الله عنه، فيصير الاستدلال لنجاة أمثاله من سادات المؤمنين عبثا، إذ العلم الضروري مما يجزم الإنسان بصحته دون توقف على استدلال نظري أو برهان عقلي، ولذلك كان الترضي عن صحابة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما يقول أهل العلم: تحقيقا لا تعليقا، فهو خبر أريد به إنشاء الثناء عليهم والدعاء لهم بما هو كائن لا محالة لإخبار الله، عز وجل، به، على حد التواتر المورث لعلم اليقين والقطع الرافع لأدنى درجات الشك والتردد، فهو بمنزلة طلب الوسيلة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عقيب الأذان، فلا يقول عاقل بأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد يحجب عنها فيكون الدعاء طلبا لها، وإنما هي درجته صلى الله عليه وعلى آله وسلم قطعا، وإنما أمر المؤمنون بطلبها له بيانا لدرجته وإثابة للداعي بصلاته ودعائه وثنائه على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلقائل أن يقول بأنه: دعاء ثناء وإن كانت صيغته صيغة دعاء المسألة. والشاهد أن الترضي عن رجالات ذلك القرن الفاضل: ترض محقق لا معلق، لتواتر الخبر بتعديلهم عدالة يصح بها نقلهم للشرع، فخبرهم مقبول لا يتوقف في قبوله على إثبات عدالة كخبر من بعدهم، إذ تعديلهم أمر قد نص عليه الشارع، عز وجل، في مواضع قد بلغت، كما تقدم، حد التواتر القطعي فلا ناقض لما قضاه الرب، جل وعلا، بخبره الصحيح القطعي من تعديلهم بل واصطفائهم لحمل الرسالة بعد نبيهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى أمم الدنيا، فهم خير طباق هذه الأمة، ومن حصل بعدهم فضلا فإنما اقتبس من فضلهم شعبة، فلا يرتفع قدر تال لهم في الوجود إلا إذا أرجع نفسه إليهم إرجاع الفرع إلى أصله، فلا يتقدم بين أيديهم، فإن الحق لا يخرج عن مجموعهم، وإن لم يعصم آحادهم، فالصغائر بل الكبائر جائزة في حقهم، مع كونها فيهم أقل من غيرهم، فهم لمن أتى بعدهم كأهل السنة لأهل الإسلام، وكأهل الإسلام لبقية الملل، فكل خير في غيرهم فهو فيهم أعظم، وكل شر فيهم فهو في غيرهم أعظم، فهم أكثر الناس خيرا وأقلهم شرا، فلا يعدل عن تعديل آحادهم إلا بدليل قطعي فكيف بمقدميهم كالأربعة وسائر العشرة، رضي الله عنهم، وقد تواتر من شأنهم أنهم أسرع الناس رجوعا إلى الحق إن خرجوا عن طريقه، فتوفيقهم إلى التوبة أعظم من توفيق غيرهم، وتأمل حال ماعز، رضي الله عنه، وقد اقترف الكبيرة فلم يقر حتى تاب إلى الله، عز وجل، توبة نصوحا صارت مضرب المثل في بابها، وليس ذلك إلا لأصحاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذين صنعهم الوحي على عينه.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير