تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

جبهته الداخلية فيجمع أشتات جنده معلنا التعبئة العامة لخوض تلك المعركة المصيرية ففيها نجاته أو هلاكه، وما النصر إلا من عند الله، والمعصوم من عصمه الرب، جل وعلا، والمسدد من سدده.

والله أعلى وأعلم.

ـ[مهاجر]ــــــــ[10 - 12 - 2009, 09:08 ص]ـ

قال ابن القيم رحمه الله:

"وقال الإمام أحمد: أنبأنا إسماعيل، أنبأنا أبو هارون الغنوي، أنبأنا أبو سليمان الأزدي عن أبي يحيى "مولى بني عفراء" قال أتيت ابن عباس، ومعي رجلان من الذين يذكرون القدر - أو ينكرونه - فقلت: يا ابن عباس ما تقول في القدر؟ فإن هؤلاء يسألونك عن القدر، إن زنى وإن سرق وإن شرب فحسر قميصه حتى أخرج منكبيه وقال: يا يحيى لعلك من الذين ينكرون القدر ويكذبون به، والله لو أعلم أنك منهم وهذين معك لجاهدتكم، إن زنى بقدر، وإن سرق بقدر وإن شرب الخمر فبقدر". اهـ

ص103، 104.

فذلك من حمية الحبر الجليل، رضي الله عنه، وغيرته الإيمانية، فقد كان في زمن يسع أمثاله من أولى العلم الراسخين الإنكار، بل المبالغة في النكير على أصحاب البدع، وذلك إنما يكون في الأزمان التي تظهر فيها أعلام النبوة، وابن عباس، رضي الله عنهما، من رجال الصدر الأول، أرسخ الناس أقداما في الديانة، علما وعملا، فهم أصحاب الأقوال والأعمال والأحوال الكاملة، فلم يعرف في عصورهم الزاهرة: الفصل بين العلم والعمل، بل كانت الشهود العملية على صحة الأحوال القلبية والدعاوى القولية: عدولا، فصدق العمل القول إذ قد وقر الإيمان في القلب فأثمر أجناسا من الإرادات الصالحة ظهرت آثارها على اللسان والجوارح وكل إناء بما فيه ينضح، وما ظنك بإناء قد حشي علما، ببركة دعاء النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والشيخ، رضي الله عنه، ممن حاز التزكيتين: فله تزكية عامة بدخوله في حد الصدر الأول أفضل طباق هذه الأمة، فهو من الذين سبقت لهم الحسنى، فـ: (أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ)، وليس بعد تزكية الوحي تزكية، فالمحل كثير قد بلغ من الفضل قلالا، فلا يحمل خبثا إلا ما اقتضته الجبلة البشرية من اللمم الذي لا يسلم منه آحاد البشر لعدم العصمة، وله تزكية خاصة فهو حبر الأمة المقدم، فمن أحق منه بالإنكار على أصحاب المقالات الحادثة ذبا عن حياض الملة، وقد ظهرت مقالة نفي القدر في آخر عهد الصحابة، رضي الله عنهم، فردها من تبقى منهم كابن عمر وابن عباس، رضي الله عنهم، فذكر ابن عباس، رضي الله عنهما، أجناسا من المعاصي من باب التمثيل للعام بذكر بعض أفراده فلم يرد التخصيص بل كل أفعال العباد طاعة أو معصية، خير أو شرا، اختيارية يتعلق بها التكليف، أو غير اختيارية، تكاليف شرعية تتعلق بعلم الشرع الموجود أو تقادير كونية تتعلق بعلم القدر المفقود، كل أولئك أثر من آثار كلمات ربنا، عز وجل، الكونية، فبها خلقت الأعيان وما قام بها من الأفعال، وإنما ذكر المعاصي لقوة الشبهة فيها، فإن نفاة القدر قد أجمعوا على نفي خلق الله، عز وجل، للشر، تنزيها له، زعموا!، لعدم تفريقهم بين الإرادة الشرعية الآمرة، والإرادة الكونية النافذة، كما سبقت الإشارة إلى ذلك مرارا، ومنهم من زاد فنفى خلق الله، عز وجل، لعموم أفعال المكلفين: خيرا كانت أو شرا، ومنهم من زاد أكثر، وضلال بني آدم إن لم تستضيء عقولهم بنور الوحي لا منتهى له، ومنهم من زاد فنفى خلق الله، عز وجل، لأي فعل اختياري في الكون ولو كان المحل الذي قام به غير عاقل!، فالشاهد أن القدر المشترك الذي تعظم فيه الشبهة غالبا هو: أفعال الشر، فإن المنزه لله، عز وجل، يأنف من نسبة هذه الأفعال إلى الرب، جل وعلا، وذلك من النفي المجمل الذي يفتقر إلى البيان، فإن أراد نفي نسبتها إليه شرعا فلا تتعلق بإرادته الشرعية إذ هي لازم محبته، فلا يشرع طلبا بإيجاب أو ندب إلا ما يحبه ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، إن أراد ذلك فهو نفي صحيح، فلا يعارض إثبات ابن عباس، رضي الله عنهما، لوقوع مساخط الرب، جل وعلا، بقدر، إذ أراد القدر الكوني لا الشرعي، فالجهة منفكة، فإنه لا يلزم من تعلق الفعل بالإرادة الكونية تعلقه بالإرادة الشرعية بل قد يشاء الله، عز وجل، وقوع ما لا يرضاه شرعا، لحكمة تفوق مفسدة وقوعه، كما تقدم مرارا، ولا يلزم أيضا من تعلق الفعل بالإرادة الشرعية تعلقه بالإرادة الكونية بل قد يريد الله، عز وجل، شرعا ولا يقضي بالمراد الشرعي كونا، فتكون الحكمة الربانية في تخلفه، وإن كان التكليف الشرعي للعبد قاضيا بوجوب إيقاعه، فإن متعلق تكليف العبد هو الشرع لا الكون، فالشرع مما يدركه لمجيء النبوات به، بخلاف الكون فإنه لا يدركه ليزعم أنه إنما يسير على مواضع القدر!، فكل أفعاله خيرها وشرها بقدر، وهو مكلف بإعدام الشر تكليفه بإيجاد الخير، فإن لم يطرد الأمر في كليهما فقد تناقض كحال كثير ممن يصير على رسم القدر في الطاعة، فهو قدري عندها ينفي إرادة الرب، جل وعلا، لها، وعلى رسم الجبر في المعصية فما له حيلة إذ قد نفذ فيه المقدور الكوني وإن كان خلاف المراد الشرعي، فيجعل القدر الكوني حجة يعارض بها القدر الشرعي، كما تقدم مرارا من مسلك القدرية المشركية، فهو يتقلب بين المذاهب على حد التلفيق!، والصحيح اطراد الباب إذ كل الأفعال بقدر كوني، وليس هو متعلق رضا الرب جل وعلا ومحبته إلا إن وافق القدر الشرعي، فيلزمه الصبر على امتثال الشرع، والصبر على ما يقضي به الرب، جل وعلا، بقضاء الكون، فإن كان له حيلة في رفعه سواء أكان معصية فترفع بقدر التوبة الشرعي إذا شاء الرب، جل وعلا، وقوعها كونا فلن تكون توبة إلا بمشيئته، وإنما يتوكل العبد على ربه ويشرع في السبب، ولن يكون المسبب إلا إذا شاء الله، عز وجل، وقوعه، أم مصيبة كونية قد شرع لها من أسباب الكون ما يرفعها، فإن كان له حيلة في ذلك ببذل سبب شرعي أو كوني معتبر، لزمه ذلك برسم التعبد لله، عز وجل، ببذل السبب الظاهر بعد شهود مقام التوكل الباطن. وأطنب بالتكرار لما يقتضيه المقام من التوكيد.

والله أعلى وأعلم.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير