تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

والله أعلى وأعلم.

ـ[مهاجر]ــــــــ[15 - 12 - 2009, 09:30 ص]ـ

يقول ابن القيم رحمه الله:

"قال عمرو بن العاص: انتهى عجبي إلى ثلاث: المرء يفر من القدر وهو لاقيه، ويرى في أعين أخيه القذا فيعيبها، ويكون في عينه مثل الجذع فلا يعيبها ويكون في دابته الصعر ويقومها جهده، ويكون في نفسه الصعر فلا يقومها".

ص104.

فتعجب عمرو، رضي الله عنه، إنما كان ممن يفر من القضاء الكوني النافذ، فيقعد عن امتثال القدر الشرعي، وكان حريا به أن يورثه الإيمان بالقضاء الكوني همة وعزما في بذل السبب الشرعي أو الكوني بنية المدافعة تعبدا، فإن من قعد عن جهاد الأعداء، وهو من أبرز الصور التي يظهر فيها خلل التصور في هذا الباب، بتقديم ضرورة على ضرورة آكد فيقدم حفظ بدنه على حفظ دينه، من ذلك حاله: فإنه يفر من القضاء الكوني بتعطيل القدر الشرعي، فيقعد عن تحصيل السبب مع قدرته على ذلك، فهو من أهل: (وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ)، وسؤال الله، عز وجل، السلامة ابتداء، آكد في هذا الباب الذي تفتضح فيه النفوس، فلا يسدد الله، عز وجل، فيه إلا آحادا، وغالبا ما تنفسخ همم أصحاب الدعاوى العريضة في أزمان العافية إذا ما وقع الابتلاء، فإن وقع الابتلاء ووجب القتال فلا محيص عن الصبر، فهو واجب الوقت، فمن شاء فليصبر، ومن شاء فليجزع، فما يقع لنا في أزمان الابتلاء هو تأويل ما قام بنفوسنا من التصورات والإرادات في أزمان العافية، فالرب، جل وعلا، لا ينظر إلى ظاهر الدعوى، وإنما يعلم باطن صاحبها، وما قام بنفسه من إخلاص يكون سببا في السداد، أو رياء يكون سببا في الخذلان، ولن يعدل عاقل بالسلامة شيئا في هذا الباب، إن لم تكن تلك السلامة: ندامة باعتبار مآلها كمن يقدم مصلحة صغرى عاجلة على مصلحة عظمى آجلة، فيفر صيانة لبدنه، وتلك ضرورة ثانية، ولو فسد دينه، وهو الأولى بالاعتبار في هذا الموضع، إذ هو الضرورة الأولى.

ويرى في أعين أخيه القذا فيعيبها، ويكون في عينه مثل الجذع فلا يعيبها:

فهو ناقد حكيم لأفعال غيره، قد شغل نفسه بمراقبة الخلق فغفل عن مراقبة نفسه، وتلك علامة من علامات البطالة، فلو كان له شأن يغنيه من دين أو دنيا نافعة ما وجد زمانا يصرفه في ملاحظة الخلق بحثا وتنقيرا في أحوالهم.

ويكون في دابته الصعر ويقومها جهده، ويكون في نفسه الصعر فلا يقومها:

فكثير قد شغل بالوسيلة عن الغاية، فشغل بالدابة التي تحمله عن الوجهة التي يقصدها، فتراه قد بذل الجهد واستفرغ الوسع في تحصيل حظ البدن، وغفل عن نفسه، فلم يتعاهدها بأجناس العناية تزكية وتقويما، فليس لها من وقته نصيب، فهو في فلك بدنه الطيني دائر، وهو فلك سفلي، وأصحاب الهمم العلية لا يرضون إلا بالدوران في الأفلاك العلوية، فأجسادهم مطايا لأرواحهم، ودنياهم كالخلاء الذي تقضى فيه حوائج الإنسان، فلا تتعلق به همة عاقل بل هو من العارض الجبلي الذي لا انفكاك عنه، فلا يطيل فيه البقاء بل ينزله منزلة الضرورة التي تقدر بقدرها.

فمثل من شغل بالدنيا كمن شغل بتقديح طعام سحوره وتمليحه حتى أذن الفجر وحرم الأكل!، فذاك قد قدح دنياه وملحها فإذا ما هم بتناولها وافته المنية فحرمت عليه لذة ما عاش يحصله.

فلا يشغل المسافر المسدد نفسه في طريق هجرته بالعوارض الصارفة التي تستنفد جهده وتحرفه عن وجهته.

والله أعلى وأعلم.

ـ[مهاجر]ــــــــ[17 - 12 - 2009, 08:39 ص]ـ

يقول ابن القيم رحمه الله:

"قال أبو الدرداء: ذروة الإيمان أربع: الصبر للحكم، والرضا بالقدر، والإخلاص للتوكل، والاستسلام للرب". اهـ

ص104.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير