تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

فالصبر للحكم هو: صبر للحكم الكوني صبر الكرام على المقدورات الكونية، وصبر للحكم الشرعي امتثالا للأمر والنهي، فيستمد العبد أسباب المعونة الغيبية من رب البرية، جل وعلا، ليحفظه بملائكته من المكروه، فذلك سبب غيبي كوني، ويستعين بالأسباب الغيبية الشرعية من دعاء يرد به القضاء المعلق، فيستدفع بذلك المكروه الكوني، ويستعين بالأسباب المشهودة في أداء الواجب واجتناب المحرم والصبر على المقدور، فيحصل أسباب القيام بالواجب من شرائط وواجبات ....... إلخ، ويحصل أسباب اجتناب المحرم من البعد عن مواطن الريبة، وسد الذرائع إلى المحرمات: "فَمَنْ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ". ويحصل أسباب الصبر على المقدور من إدامة للذكر وتثبيت للنفس وللغير، وبعد عن مجالس الجزع التي تعقد برسم الجاهلية.

والرضا بالقدر: شرعا بقبول التكليف، فـ: (لَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، فمقابل الإسلام: التحكيم، ومقابل الإيمان: عدم وجدان الحرج في النفس من حكم الرب جل وعلا، ومقابل الإحسان: التسليم التام المؤكد بالمصدر، كما أشار إلى ذلك ابن القيم، رحمه الله، في "مدارج السالكين".

والإخلاص للتوكل: فلا يكون توكل صحيح ببذل السبب مع تعلق برب الأسباب، جل وعلا، وذلك من الدقة بمكان، إلا بإخلاص يحرر محل النزاع، فإن كثيرا من البشر يباشر التوكل اسما بلا مسمى، فهو متوكل بلسانه، قدري بحاله، يباشر السبب على حد الاستقلال بالتأثير، وإن لم يصرح بذلك، فلا يلتفت إلى مجريه، عز وجل، بل هو الفاعل، وذلك صحيح، ولكنه ما فعل إلا بعد أن شاء الله، عز وجل، ذلك، فخلق له طاقة بها يفعل، وإرادة بها يتحرك، وآلة بها يباشر، بل وخلق ذات الفعل، فقيامه به قيام المفعول بفاعله فليس له خالقا ليدعي لنفسه ما ليس لها من القوى، فإن الرب، جل وعلا، لو شاء لنقض بنيانه فقعد مع صحة الآلة إذ قد زال العزم من قلبه فانحلت عرى همته التي بها ينهض إلى مباشرة الفعل، وذلك، كما تقدم مرارا، من أعظم أدلة الربوبية القاهرة، فبها يقهر الرب، جل وعلا، عباده بإظهار كمال قدرته على الفعل في مقابل عجزهم، فإن أفعاله، عز وجل، صادرة عن كمال أوصافه، فبكلماته الكونية التي صدرت عن كمال صفاته العلية كان هذا الكون، ففعل به الرب، عز وجل، بآثار صفاته الفاعلة من الكلمات النافذة ما شاء، لكمال قدرته، وجاء فعله على أتم الوجوه، لكمال حكمته، فوجب التسليم له في كل أمر، بامتثال المأمور والصبر على المقدور ولو خفي وجه الحكمة، فإن ذلك مما لا تحيط به العقول وإن أدركت منه طرفا.

يقول ابن القيم، رحمه الله، في "شفاء العليل":

"إن العقلاء قاطبة متفقون على أن الفاعل إذا فعل أفعالا ظهرت فيها حكمته ووقعت على أتم الوجوه وأوفقها للمصالح المقصودة بها ثم إذا رأوا أفعاله قد تكررت كذلك ثم جاءهم من أفعاله ما لا يعلمون وجه حكمته فيه لم يسعهم غير التسليم لما عرفوا من حكمته واستقر في عقولهم منها وردوا منها ما جهلوه إلى محكم ما علموه هكذا نجد أرباب كل صناعة مع أستاذهم". اهـ

والاستسلام للرب: على حد ما تقدم من كمال التسليم لأمر الشرع بالامتثال، وأمر الكون بالصبر، إن لم يكن ثم سبب مقدور لرفعه، فإن من نوازل الكون ما شرعت له أسباب كونية وأخرى شرعي لرفعه، فإن قدر العبد على السبب الكوني فلم يبذله بزعم الرضا بالمقدور الكوني ولو كان مكروها مطلوب الرفع شرعا وعقلا وحسا، فهو آثم لتعطيله سنن الرب، جل وعلا، الكونية، فما وجدت الأسباب إلا لتتدافع على نحو يظهر به كمال حكمة الرب، جل وعلا، البالغة، فيرد السبب بسبب، وينازع القدر بقدر كما أثر عن الجيلاني رحمه الله، فإن قعد العبد برسم الرضا!، تعطلت عبوديات قلبية وبدنية جليلة، فلم يعد القلب ينكر المنكر إذ قد رضي بما يسخط الرب، جل وعلا، وأي خذلان أعظم من ذلك؟!، فهو الذريعة إلى إبطال الشريعة بزعم بلوغ الحقيقة، فلا جهاد بالقلب استنكارا، ولا باللسان زجرا، ولا باليد تغييرا لمن له سلطان وقدرة، فماذا بقي من رسوم الشريعة الظاهرة،

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير