تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

وقد أصابت هذه اللوثة عقولا حتى أخرجتها عن حد العقل وأخرجت قلوبا عن حد الإحساس الآدمي فارتضوا من الفواحش في أنفسهم وأهليهم ما صيرهم أضحوكة، وما ذلك إلا لتعطيل الأمر الشرعي بمعارضته بالأمر الكوني، فإن من ذلك مؤد لا محالة إلى إضعاف بل إبطال شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ كل من عند الله!، مع أن الذي خلق كلا بقدرته الكونية، أمر بحكمته الشرعية ألا يسوى بينهما، فلا يسوي عاقل فضلا عن مسلم بين المأمور به إيجابا أو ندبا، والمنهي عنه تحريما أو كراهة، فالأول: مراد للرب، عز وجل، وقوعه، قد شرعت الذرائع له، فلها حكمه حثا على إيقاعه، فهو مراد الرب الشرعي من عباده، فيحب فعله ويحب ويرضى عن فاعله، إذ تحرى محبوباته واستعان به على إيقاعها ببذل أسبابها: الشرعية والكونية، الغيبية والمشهودة، فسعى في محبة ربه، عز وجل، باتباع شرعه الذي جاء به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو المبلغ عنه مراده، فلم يعلق الرب، عز وجل، محبته على اتباع أمره الكوني، وإنما علقها على اتباع أمره الشرعي الذي بعثت به الرسل، وأنزلت به الكتب، على حد قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ). فلم يعلق محبته على مشيئته لتصح التسوية بينهما فيصير كل مقضي بمشيئته محبوبا له، بل منه ما أبغضه ونهى عنه ورتب العقوبة الشرعية المقدرة له في الدنيا، أو ادخرها لفاعله في الآخرة إلا أن يشاء المغفرة له، وحذر من فعله على لسان رسله وفي مسطور كتبه، فذمه صراحة: خبرا وإنشاء، وذم فاعله، بل لعن مرتكب بعض أنواعه، فالمنكر جنس قد تعلق به وصف الذم عموما، واختصت بعض أفراده بمزيد ذم ووعيد، فذلك مقتضى حكمته ألا يسوي بين جنس المعروف المأمور به، وجنس المنكر المنهي عنه، وألا يسوي بين أنواع المعروف فليست كلها على حد سواء، وإن جمعها جنس المعروف الأعلى، فهي تتفاوت في الأمر بها فمنها ما أمر به إيجابا، ومنها ما أمر به استحبابا، وفي الزجر والوعيد على تركها فمنها ما توعد تاركه ومنها ما يلحق صاحبه الملامة، فهو مخروم المروءة لا تقبل له شهادة، وإن لم يكن آثما كالأول، إذ ترك الطاعة، ولو مندوبة بلا عذر، مظنة انخرام المروءة، وألا يسوي بين أنواع المنكر فليست كلها على حد سواء في النهي، بل منها ما نهي عنه على حد التحريم، بل منها ما يوجب لفاعله التكفير، ومنها ما هو دون ذلك حتى يصل الأمر إلى المكروه تنزيها الذي لا يذم فاعله، وإن كان تقصده مظنة النقص في مروءة فاعله، فهو مئنة من استخفافه بالحرمات وإن لم يقع في حماها، إذ قد رتع حوله، وسنة الله، عز وجل، في خذلان المتقحم على حماه بارتكاب مكروهاته في خذلانه بالوقوع في محرماته: جارية كما أن عادته في خذلان من فرط في المستحبات بترك الواجبات: جارية، بل المباح قد يصير بنية فاعله ذريعة إلى طاعة فيأخذ حكمها تبعا كما يأخذ المكمِّل حكم المكمَّل، وقد يكون، أيضا، ذريعة إلى معصية فيأخذ حكمها، فلا يوجد فعل بشري مجرد عن تصور سابق يحمل فاعله على مباشرته، والمجموع المركب من التصور السابق والحكم الخارجي اللاحق الذي يوقعه المكلف فيكون تأويلا لما قام بنفسه من إرادة تولدت من ذلك التصور، ذلك المجموع المركب هو محط المدح أو الذم، إذ يعم سائر أحوال المكلف الاختيارية إلا ما هجم عليه من تصور فاسد لم يتقصده فدافعه قدر استطاعته، أو ما أكره عليه من فعل، فلا يؤاخذ عليه، على تفصيل سبقت الإشارة إليه في مواضع سابقة، فلا يستوي أفراد هذا التقسيم لأفعال المكلفين الاختيارية، بل تتفاوت الدرجات أو الدركات تبعا لجنس الفعل الأعلى: اختياري يتعلق به التكليف، أو اضطراري لا يتعلق به، وجنسه التالي: مطلوب الفعل، أو مطلوب الترك، وجنسه التالي: واجب أو مندوب في المراد فعله، أو محرم ومكروه في المراد تركه، وجنسه التالي: إن كان واجبا فذلك جنس لجملة من أنواع الطاعات الواجبة، فهو نوع باعتبار ما فوقه، جنس باعتبار ما تحته، فتحته أنواع من: الصلوات والزكوات ..... إلخ من الطاعات الواجبة، بل النوع الواجب تتفاوت أقداره، فليس وجوب الصلوات المفروضة كوجوب

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير