تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

فإنها مما ينغص عليه ذوقه، ولكنه رجاء مصلحة أعظم من حصول الشفاء يصبر عليها، إذ هي الوسيلة التي يتذرع بها إلى العافية بما أودع الله، عز وجل، في الدواء من قوة يشفى بها المريض، بإذنه الكوني، إذا شاء، تبارك وتعالى، مباشرة الدواء لسبب الداء، والمبتلى بالعشق قد فسد قياسه بل انقلب فقدم حلاوة عارضة بتأمل محاسن صورة زائفة فيها من أعراض النقص ما فيها فهي لا محالة إلى تغير وفناء، قدم تلك الحلاوة العارضة على حلاوة الإيمان الدائمة التي يجدها من صبر عن المحارم فلم ينتهكها فناله من ذلك ألم وضغطة في قلبه هي من لوازم الابتلاء، ليعلم أصادق هو أم كاذب، فإذا صبر على ذلك جاءت رسل الرب، جل وعلا، بالبشرى، حلاوة دائمة في القلب بطاعة الرب، جل وعلا، وقهر النفس وكسر شوكتها، فضلا عما ادخر له في دار المقامة، وما كان ذلك إلا فرعا عن صحة في التصور امتن الله، عز وجل، بها على أتباع الرسل، عليهم السلام، الذين يعلمون أصول الترجيح عند التعارض، فلا يقدمون الأدنى على الأعلى، بخلاف من عدل عن طريقتهم فإن قياسه قد فسد بل انقلب!، فقدم اللذة العارضة على اللذة الراسخة، فأعقبه الله، عز وجل حسرة في قلبه إلى يوم يتوب، والرب، جل وعلا، كريم لا يرد من لجأ إليه، ولا يكون لجوء إليه إلا بمقتضى ما شرعه على ألسنة رسله عليهم السلام، وهو عين ما نقضه ذلك المعارض للقدر الشرعي فلا يصون نفسه من تلف مباشرة الصورة المحرمة، إذ قد شاء الله، عز وجل، له الفتنة، فلا اختيار له في رفعها، ولا قدرة له على دفعها، وكأنها حركة اضطرارية لا يتعلق بها تكليف، وهو مؤدى قول أهل الجبر الذين يرومون إسقاط التكليف الشرعي بمعارضته بالتقدير الكوني، فإذا كان الله، عز وجل، قد شاء لك بقدرته أن تبتلى بتلك الصورة فقد أراد منك بحكمته أن تدافع ذلك القضاء الكوني بالقضاء الشرعي، فمن نظر بعين الشرع دون القدر مال إلى مقالة أهل القدر الذين ينفون قدرة الرب، جل وعلا، على خلق الأشياء، فيجعلون آحاد البشر أعظم قدرة منه، إذ قد خلقوا ما لم يخلق من أعمالهم!، ومن نظر بعين القدر دون عين الشرع أسقط التكليف، إذ صير فعله من فعل الرب، جل وعلا، والصحيح أنه تبارك وتعالى خالق أفعال العباد بقدرته لتظهر في أفعالهم آثار حكمته.

يقول ابن القيم رحمه الله:

"وقال بعضهم - وقد ذكر له ما يخاف من إفساده - فقال: لي خمس بنات لا أخاف على إفسادهن غيره! ". اهـ

ص106.

فذلك من لوازم مقالة القدرية الجبرية، إذ قد ساء ظنهم بالرب، جل وعلا، حتى ظنوا أنه يريد الفجور شرعا فيحبه ويرضاه فصاروا يخافون على بناتهم منه أن يفسدهن!، وذلك مؤد إلى إبطال النبوات التي دعت إلى العفة والطهارة، فالرب، عز وجل، يرسل رسله عليهم السلام بما يلائم الفطر السوية والعقول الصريحة التي أجمعت على استحسان الفضائل، واستقباح الرذائل، حتى قبل ورود الشرع بما ركز فيها من القوى الصحيحة النافعة، ثم هو مع ذلك يرضى ويحب ضد ما بعثهم به!، فلِمَ لم يبعثهم إذن بما يحب، إن كان مراده الشرعي في ضد الطهر والعفة، فيلزم أولئك تجويز بعث الرسل عليهم السلام بتقرير الفواحش، فهي من مراضي الرب، بل ذلك بلازم كلام غلاتهم هو الذي يقتضيه قياس العقل، فالرسل ما بعثت إلا لتقرير مراضي الرب، جل وعلا، وأصحاب العقول والفطر فضلا عن الديانة يعلمون بداهة أن مراده، جل وعلا، هو الطهر والعفة، والآخرون يجوزون على الرب، جل وعلا، بلازم مقالتهم: أن يقر الفواحش، بل ويأمر بها شرعا على ألسنة رسله عليهم السلام، وما ذلك إلا فرع عما اطرد من خلطهم بين الإرادة الكونية التي تتعلق بكل الأحداث الكائنة في عالم الشهادة ولو كانت على خلاف مراد الرب، جل وعلا، الشرعي، من شر وفجور يتعلق الذم فيه بالمقدور لا بفعل الرب، جل وعلا، فالشر ليس إليه، كما تقدم مرارا، والإرادة الشرعية التي تتعلق بمراضيه، جل وعلا، وهي التي بعث بأحكامها رسله عليهم السلام فلا يأمرون إلا بكل فضيلة ولا ينهون إلا عن كل رذيلة.

والله أعلى وأعلم.

ـ[مهاجر]ــــــــ[27 - 12 - 2009, 09:01 ص]ـ

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير