تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

وقد تحدّث الإمام الزركشي (ت 794هـ) في كتابه "البرهان" عن وجوه المخطابات والخطاب القرآني، ويذكر أنّها تأتي على نحو من أربعين وجهاً، وإدراكه لتنوّع الأساليب في القرآن هو ما دفعه غير مرّة في كتابه المذكور إلى القول: "فمن أراد أن يقرأ القرآن بكمال الترتيل فليقرأه على منازله، فإن كان يقرأ تهديداً لفظ به لفظ المتهدد، وإن كان يقرأ لفظ تعظيم لفظ به على التعظيم".

ويرى في موضوع آخر أن القارئ المجيد هو الذي تكون تلاوته على معاني الكلام وشهادة وصف المتكّلم، من الوعد بالتشويق والوعيد بالتخويف، والإنذار بالتشديد، وهذا القارئ أحسن الناس صوتاً بالقرآن، وفي مثل هذا قال تعالى: "الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ... " البقرة (121)، فإذا كان التنغيم الباكي مقبولاً مثلاً في آيات الاستغفار والتوبة، فلابدّ له من أن يختلف عن تنغيم الآيات التي تحضّ على القتال، أي يجب أن يوائم التنغيم المعنى ويظهره، ليجعل المقروء مستقرّاً في ذهن السامع وقلبه. فاللين غير الشدّة، والأمر والنهي غير الدعاء والالتماس، والخبر غير الاستفهام، والوعد غير الوعيد.

ومن أقدم النصّوص التي تناولت التنغيم في الدراسات لتجويد القرآن الكريم يندرج ضمن ما نسميه تنغيم الجملة، ذلك النصّ الموجود في كتاب "الزينة" لأبي حاتم الرّازي (ت 322هـ) حيث علّل اللفظة (آمين)، إذ يقول، قوم من أهل اللغة هو (مقصور) وإنمّا أدخلوا فيه المدّة بدلاً من ياء النداء، كأنّهم أرادوا (يامين)، فأمّا الّذين قالوا مطوّلة، فكأنه معنى النداء (يا أمين)، على مخرج من يقول: (يا فلان)، يا رجل، ثم يحذفون الياء "أفلان"، "أزيد". وقد قالوا في الدّعاء، (أربِّ) يريدون (يا ربِّ). وحكى بعضهم عن فصحاء العرب أخبيث، يريدون، يا خبيث، وقال آخرون إنّما مدّت الألف ليطول بها الصوت، كما قالوا: (أوه) مقصورة ثم قالوا "آوه" يريدون تطويل الصوت بالشكاية.

ومن النّصوص القديمة التي تناولت التنغيم في الدراسات القرآنية ما دونه أبو العلاء العطار (ت 596 هـ) في كتابه "التمهيد في التجويد". فقد جعل مصطلح اللحن الخفي كما يعرف بالمشافهة فقط، كما جعل اللحن الخفي مميّزاً بين المعاني كالنفي والإثبات والخبر والاستفهام، ثم إن اللحن بالمنطوق جعله ممّا لا يتقيد بالكتابة.

أنماط نغمات الصوت

للنغمة مستويات وهي:

- النغمة المنخفضة: وهي أدنى النغمات، وهي ما نختم به الجملة الإخبارية عادة، والجملة الإستفهامية التي لاتجاب بنعم أو لا.

- النغمة العالية: وتأتي قبل نهاية الكلام متبوعة بنغمة منخفضة أو عالية مثلها.

- النغمة فوق العالية: التي تأتي مع الانفعال أو التعجب أو الأمر.

- النغمة الشيقة المتسعة.

- النغمة النهائية الصاعدة.

وقد تنبه الجاحظ في كتابه الحيوان لتأثير التنغيم على الحالة النفسية للحيوان تحت عنوان أثر الأصوات في الحيوان: "والدواب تصر آذانها إذا غنى المكاري، والإبل تصر آذانها إذا حدا في آثارها الحادي، وتزداد نشاطاً وتزيد في مشيها ويجمع بها الصيادون السمك في حظائرهم التي يتخذونها له .. والأيائل تصاد بالصفير والغناء، وهي لا تنام ما دامت تسمع ذلك من حاذق الصوت، والصفير تُسقى به الدواب الماء وتنفر به الطير عن البذور". ويقول عن أثر الصوت في الحيّة: "فالحية واحدة من جميع أجناس الحيوان الذي للصوت في طبعه عمل، فإذا دنا الحواء وصفق بيديه، وتكلم رافعاً صوته حتى يزيد، خرج إليه كل شيء في الجُحْر، فلا يشك من لا علم له أن الحية خرجت من جهة الطاعة وخوف المعصية". ولا يخفى على المتأمل أن هذا الأثر الذي يتركه الصوت على الكائنات الحية مرتبط بالتنغيم، فلو كان الصوت على طبقة صوتية واحدة من الصعود والهبوط، لما كان له أثر واضح.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير