تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ويقال من جهة أخرى: الخلق، بمعنى المخلوق على حد قوله تعالى: (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ)، أي: مخلوقه، يكون بالأمر، فيكون العطف في: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) من عطف السبب على مسبَِّبَه، وذلك مما استدل به من رد مقالة خلق القرآن، إذ هو من آحاد صفة كلامه، عز وجل، والأمر الذي يكون به الخلق من آحاد كلامه أيضا: فذاك شرعي، وهذا كوني، فلما عطف على الخلق علم أنه غير داخل فيه، فهو غير مخلوق، بل به توجد المخلوقات.

قال قوام السنة رحمه الله:

"قال الله عز وجل: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، وقال عز وجل: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) فبان بقوله أن أمره غير خلقه وبأمره خلق ويخلق، وقال عز وجل: (أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا) ". اهـ

"الحجة في بيان المحجة"، (1/ 228).

ويقال أيضا في معرض تقرير الألوهية الشارعة فرعا عن الربوبية الموجدة المدبرة:

الخلق من أمره الكوني على جهة وقوعه بكلماته الكونية، فلو زيد في عموم "أل" في: "الأمر" ليشمل الكلام الكوني والكلام الشرعي الحاكم الذي جاءت به النبوات، لآل المعنى إلى كونه، عز وجل، الشارع الحاكم المستحق لتمام التأله بأفعال عباده، ومن آكدها إجراء شرعه على الأفراد والجماعات في شتى مناحي الحياة، فرعا عن كونه الخالق بالكلمات الكونيات النافذات، فله الخلق ربوبية وله الأمر ألوهية.

والشاهد من ذلك:

أن دليل الاختراع والعناية، كما سيأتي إن شاء الله، في آيات أخر، إن يسر الله، عز وجل، ذلك في مداخلات تالية، لا يحصل المراد منه في ذاته، بل هو مراد لغيره، فجمهور العقلاء على الإقرار به، على حد قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) وإن كابر منهم من كابر، وعلى حد قول موسى لفرعون: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا) فهو مقدم أهل الجحود على مر العصور، وعلى حد وصف أهل الجحود عموما: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)، فلا يكتمل معنى الربوبية إلا بضم معنى الألوهية إليه، إذ هي لازمه الذي لا ينفك عنه، ولذلك تذيل آيات دليل العناية والاختراع بآيات الأمر بالتأله والتذلل على جهة الاختيار، فبعد هذه الآية: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)، فالدعاء عبادة والنهي عن الإفساد: حكم شرعي تكليفي، ولا يكون بيان ذلك إلا من طريق النبوات الهاديات، إذ علومها أنفع العلوم، وأعمالها أصلح الأعمال للقلوب والأبدان.

فالألوهية تتضمن الربوبية وزيادة، إذ مدار الربوبية على الخبر، والألوهية تقتضي: تصديق الخبر عن الرب، عز وجل، ذاتا وأسماء وصفاتا وأفعالا، وتزيد على ذلك: امتثال الحكم الشرعي فعلا للمأمور وتركا للمحظور.

وهذا ما قصر المتكلمون في إثباته إذ حصروا معنى الشهادة في إثبات ربوبية الله، عز وجل، فصارت: لا إله إلا الله: لا قادر على الإيجاد إلا الله، فاكتفوا بإثبات الملزوم فقط، والصحيح أن معناها: لا معبود بحق إلا الله فرعا عن تفرده بالخلق والإيجاد، فيثبت الملزوم ولازمه الذي هو مراد الله، عز وجل، من عباده، فمن خلق وأوجد هو المستحق لكل صور العبادة سواء أكانت عبادات محضة كالشعائر، أم معاملات، أم سياسات، أم سلوكيات وزهديات ......... إلخ.

وكثير منا قد نحا نحو المتكلمين وإن لم يشعر بذلك، فظن النجاة في الإقرار المجرد، الذي هو تصديق الخبر، دون أن يشفع ذلك بلازمه من امتثال الشرع سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات.

وقوله تعالى: (تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ): تذييل آخر في معرض الثناء على الرب، جل وعلا، بأوصاف كماله، فذلك ثناؤه على نفسه، والعبد مكلف بالثناء عليه قدر استطاعته، فلن يحصي ذلك، فقد أثنى، عز وجل، على نفسه بما هو له أهل من الكمال المطلق، فلا يضره أن قدح في ذلك من قدح من ملاحدة الأمم، فهو الرب المنفرد بالكمال، وإن كفر به أهل الأرض جميعا، وإنما يثني عليه من يثني طلبا للنجاة، فـ: (فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه). فلن ينفع العبد ربه، عز وجل، وإنما الرب، جل وعلا، هو الذي نفع عبده لما أوجده واستخلفه على جهة الابتلاء، وأيده بروح الوحي، فبعث الأنبياء بأصدق الأخبار وأعدل الأحكام، لتتم نعمته الكونية السابغة على عباده بصلاح الدين والدنيا.

والله أعلى وأعلم.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير