تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

وملكه دائم، و: ملك عبده: فانٍ فهو إلى الوديعة أو العارية أقرب ومآلهما إلى الرد وإن طال الزمان. وملكه عام لكل الموجودات أعيانا وأحوالا، و: ملك عبده خاص فلا يملك إلا ما تحت يده، ولو كان ملكا جبارا فليس له من سماع الأمر وطاعته إلا ما بقدر ما سلط عليه من البلاد والعباد!، فلكل ملك: ملك مجاور، في ملكه طامع، وبه يتربص الدوائر، فلو كان مِلْكُ كلٍ ملكا ربانيا عاما، فكان أمره إلهيا نافذا لفسدت الأرض بتعارض الإرادات، فما شاءه فلان من الملوك لم يشأه فلان الأقوى فيقهره ويستلب ملكه، فإذا الأقوى قد سلط عليه من هو أقوى فاستلب هو الآخر ما استلبه من الأول، أو كان مثله فاستقل كل بملكه، فتعددت الآلهة في منصب لا يقبل الشراكة، إذ في عالم الشهادة تفسد الأحوال بتولية أميرين على مصر واحد، ولله المثل الأعلى، فتصور فساد الكون بتولي اثنين أو أكثر منصب الألوهية ثابت من باب أولى، وانتظام أمر العالم على هذا النسق البديع دليل على فساد تعدد الآلهة فالشرع والعقل والحس شهود بأن الرب الموجد المبدع واحد، فكذلك الإله المشرع واحد، فوجب أن تنتهي سلسلة الملوك على حد قهر القوي منهم الضعيف، وجب أن تنتهي هذه السلسلة إلى قوي لا يغلب، فالتسلسل في هذا الشأن ممتنع بداهة، وإلا صار للكون إله كل يوم فلا ينفك القوي عن أقوى، وذلك من فساد التصور بمكان، فلا يصححه إلا اعتقاد رب قوي جليل قاهر لكل الملوك فهو مالك الملك أعيانا، وهو ملك الملوك أحوالا، ولا يقدح في ذلك ما ادعي في زماننا من ألوف الآلهة المتصرفة في الكون برسم النفاذ، فالمشاهد والأضرحة عامرة بأصناف الآلهة! التي حصلت على درجات أكاديمية في أدق التخصصات الطبية والتقنية!، وكلها دعاوى لا دليل عليها إلا ما كان خارقة شيطانية على حد الفتنة والابتلاء، فالدعوى هي عين الدليل، وذلك من فساد الاستدلال بمكان، بل الدليل شاهد على بطلانها، على ما تقدم من انتظام أمر هذا الكون على ذلك النسق البديع.

وعلى ما اطرد من تذييل دلالة الإيجاد والاختراع بالمراد لذاته: المراد الشرعي الحاكم:

وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا: على حد الاختصاص والاستحقاق، فكما له الخلق والإيجاد، فله الدين على حد الطاعة والخضوع الدائم، ومن ثم ذيل بالاستفهام الإنكاري التوبيخي في معرض إبطال كل ألوهية إلا إلوهية الباري عز وجل:

أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ: فقدم ما حقه التأخير عناية بشأنه، فليس محط الإنكار التقوى إذ لا بد للعبد منها، فقلبه مفتقر إلى رب يرغب إليه فذلك من التقوى بفعل مراضيه، ويرهب منه فذلك من التقوى بترك مناهيه فإن لم يتق الإله الحق: اتقى ما دونه من آلهة الباطل.

وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ: فذلك من عموم دلالة العناية فكل النعم منه صادرة: صدور المخلوق من خالقه، فابتداء غاية كل نعمة منه، جل وعلا، ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ: وحده فذلك من باب: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا): فالقلب لا يفزع ساعة الشدة إلا إلى الرب المتصرف فهو القادر على رفع شدته وتفريج كربته، ومن عجب أن خفي ذلك على غلاة زماننا ممن جعلوا سكان المشاهد قبلة قلوبهم في الشدائد!.

ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ: فذلك من كمال عنايته بالداعي فيكشف عنه الضر ولو كان مشركا فرحمته الكونية قد عمت كل الخلائق، فهي من اسم الرحمن، كما أن رحمته الشرعية قد خصت بعباده المؤمنين فهي من اسم الرحيم.

إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ: على حد المفاجأة، فذلك أمر يثير العجب، وهو في حق الله، عز وجل، من باب التعجب اللائق بجلاله والذي يكون من خروج الشيء عن قاعدته المطردة، لا عن جهل سابق أو علم حادث كما هو حال تعجب العبد المخلوق.

والله أعلى وأعلم.

ـ[مهاجر]ــــــــ[12 - 09 - 2009, 07:49 ص]ـ

ومن ذلك أيضا:

قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ)

وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا: فذلك من دلالة الإيجاد من العدم فإحياء الأرض بالماء النازل من جنس إيجاد البشر من الماء النازل في أرحام الإناث، ولذلك إذا أراد الله، عز وجل، بعث الأجساد، أنزل من السماء ماء كمني الرجال، تحقيقا لصورة السبب، إذ يجتمع في كلا الماءين: ماء السماء وماء الأصلاب: قوة الإحياء، فهو كماء الرجال من جهة كونه سببا في نشر الأبدان.

فالماء مادة الحياة به تخلق الثمار وتكون الأبدان، وبه تحفظ الأصول من التلف، فالأشجار أصول الثمر تفتقر إليه لتحيى، والأبدان أصول النطف التي تخلق منها الأجنة تفتقر إلى الماء وإلا هلكت، ونسبة الإحياء إلى الله، عز وجل، نسبة: فعل إلى فاعله، فهو، عز وجل، الحي بذاته: حياة كاملة أزلا وأبدا، فذلك من وصف ذاته، بل هو أصل صفات الرب، جل وعلا، الذاتية، وهو المحيي لغيره بأسباب الإحياء فذلك من وصف فعله، فهو من قيوميته التي هي أصل صفاته الفعلية.

ثم ذيل بالمراد لذاته: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ: سمع التدبر والتأمل، فإن من أحيا الأرض قادر على إحياء الأبدان، فجنس الفعل واحد، فذلك من أدلة البعث القرآنية: الشرعية في مبناها، الآفاقية في معناها المدرك بالحس والعقل.

ولكون بيان المراد لذاته وثيق الصلة بما صدرت به الآية من التمهيد بذكر وصف من أوصاف الكون توطئة لحض المكلفين على التزام أمر من أمور الشرع وهو التفكر: لكون ذلك واقعا: حسن الفصل، وقصر الانتفاع بهذه الآيات على حد الاستماع لا مجرد السماع العابر تعريض بمن طرقت تلك الآيات الشرعيات سمعه، وطرقت تلك الآيات الكونيات مدارك حسه وعقله فلم ينتفع بها.

والله أعلى وأعلم.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير