تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ـ[مهاجر]ــــــــ[13 - 09 - 2009, 07:14 ص]ـ

ومن قوله تعالى: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)

وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً: فذلك من دلالة العناية إذ سخر الله، جنس الأنعام لنا، فإيجادها نعمة كونية، وانتفاع الناس بلحومها وألبانها وأشعارها نعمة كونية ثانية، وجاء النص على منفعة الأكل في سياق آخر في قوله تعالى: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ)، فخص منفعة الشرب ثم عم بذكر المنافع الكثيرة ثم ذيل بتخصيص منفعة الأكل بالذكر، وكلاهما ذريعة إلى أخذ العبرة الشرعية فيستدل بأدلة الكون: إيجادا وعناية على أدلة الشرع فعلا وتركا، وقد نكرت العبرة تعظيما، إذ هي فرع عن عظم المعتَبَر، ومن تأمل دقة الصنع الإلهي في خلق الأنعام وتجدد منافعها من لحوم وأشعار وألبان، علم يقينا قدرة الرب الخالق، جل وعلا، ودقة وإحكام صنعه، فالأمر الكوني بالإيجاد والعناية، كما تقدم مرارا، لا يكون إلا فرعا عن القدرة والحكمة: أخص أوصاف الربوبية في باب الخلق والتكوين، فلا يكون كائن إلا بقدرة على التكوين وحكمة في التسيير والتأثير، ولو كان شرا، فالشر فيه لا في فعل موجِده، وقد ذكر العبرة مجملة، ثم بينها بذكر بعض أفرادها، فذلك من باب: تفسير العام بذكر بعض أفراده، فلا يخصصه، إذ منافع الأنعام ليست محصورة في المذكور، وإنما خص بالذكر في معرض الامتنان، وتمام القدرة بتخليق اللبن سائغا فلا يختلط بالدم والرفث مع ما بينهم من الجوار المفضي إلى المخالصة، فتخليصه من شوائبهما، وخروجه خالصا ناصحا، مئنة من قدرة الرب، جل وعلا، على الإيجاد.

وقد أطنب في أوصافه: (خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ): فذلك من تمام التوكيد على عظم المنة الربانية.

وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا: فمن جنس تلك الثمار الخارجة بإيجاد الرب لها على تلك الهيئات الصالحة للتناول: تتخذون سكرا، لم يوصف بالحسن إشارة لطيفة إلى ما سيأتي من تحريمه، فذلك مبدؤه، إذ السورة مكية، والمنة حاصلة به باعتباره آنذاك مباحا إذ لا منة بمحرم، فتكون إباحته شرعية من هذا الوجه، فلما ورد عليها النسخ ارتفعت المنة، بل صارت في ضدها من التحريم لغلبة المفسدة على المصلحة، وتلك عين الحكمة الإلهية التي صدر عنها الشرع المحكم، فالمنة حاصلة به على كل الوجوه:

على وجه الإباحة لما كانت المصلحة في تأخير التحريم لئلا يفجع العرب في أمر قد ألفوه حتى صار عندهم كالماء، على حد قول عائشة رضي الله عنها: *

وعلى وجه التحريم إذ جاء متدرجا فانتزاع العادات عسير لا سيما إن كان فيها مصالح لمعتادها من لذة موهومة أو ربح زائل، وقد كانت كرومهم في الطائف تدر عليهم أموالا طائلة، إذ كان صناع الخمر على ثمرها يتهافتون، فانتزاع ذلك من نفوس جبلت على الشح من العسر بمكان.

وعلى وجه التحريم المؤبد لغلبة المفسدة فرفع تلك المفسدة بذلك التشريع الحكيم، وهو الأمر الذي فشلت فيه الأمم المتأخرة، كالأمة الأمريكية التي فرضت من القيود والعقوبات ما فرضت فلم تنجح في نزع تلك العادة من نفوس أفرادها فاضطرت إلى إباحتها وتقنين تعاطيها فبقيت المفسدة بل زادت كما هو مشاهد في الوقت الحالي، رفع تلك المفسدة: من أعظم بركات الشرع ومن أعظم منن الرب جل وعلا.

ثم ذيل بالغاية المرادة لذاتها من تأمل تلك الآيات الكونيات الباهرات: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.

والله أعلى وأعلم.

ـ[مهاجر]ــــــــ[14 - 09 - 2009, 07:40 ص]ـ

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير