تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ومن قوله تعالى: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ):

وحي إلهام، على حد قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ)، وقد فسره ما بعده: (أن اتخذي)، فأن: تفسيرية، فالسياق سياق إجمال يعقبه البيان، وذلك في مقام الامتنان على العباد بشراب العسل الناصح آكد.

مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ: فتلك مساكن النحل، وعلوها، إذ هي في الجبال والشجر والعروش المسقوفة، مئنة من علو شأنها إذ منفعتها ليست كمنفعة بقية الحشرات، فهي أعظم إذ العسل الخارج من بطنها: غذاء يتفكه به، وشفاء يتداوي به. وذلك جار على ما تقرر مرارا، من دلالة عناية الرب، جل وعلا، بعباده، إذ أوجد ذلك النحل على تلك الهيئة الكونية، فبطونه مصانع للعسل بورود خلاصات الأزهار التي تصيرها القوى الهاضمة: عسلا ناصحا،، فمن أبدع صنع تلك الحشرة، وألهمها السير على تلك السنن الكونية المطردة في تحويل المستخلص إلى مستخرج طيب، هو الرب البارئ، تبارك وتعالى، الذي بأمره الكوني تقوم السماوات والأرض ومن فيهن من أجناس الطير والدواب، فذلك من دلالة إيجاده للكائنات على أقدار محكمة قد علمها من الأزل وكتبها في اللوح بالقلم، فجاءت في عالم الشهادة وفق ما قدر وقضى، وهو الرب المنان، تبارك وتعالى، الذي امتن على عباده بطيب المأكل والمشرب، ومنه الشراب النافع الخارج من النحل المسخر كونا للعناية بالعباد، ففي شرابه المتعة والتداوي.

فإذا كان هو الرب المدبر لذلك بقدر كوني سابق فيه من القدرة النافذة والحكمة البالغة ما انفرد الرب، جل وعلا، بوصف الكمال منه، فلا شريك له في قدرته الماضية، فكل قدرة بقدرته مقهورة مربوبة، ولا شريك له في حكمته الباهرة فكل حكمة دون حكمته منقوصة محدودة، فلا يستقل العقل البشري مهما أوتي من كمال الآلة الذهنية، لا يستقل بإدراك الحِكَم على وجه التفصيل والتدقيق وإنما غايته أن يدرك جملا منها، يأتي الوحي الإلهي ببيانها، فلا غنى له عن نور الوحي الهادي فبه يزول الإجمال ويرتفع الإشكال.

إذا كان هو الرب المدبر لذلك، فهو الإله المستحق لكمال التأله بداهة، على ما اطرد مرارا من دلالة جنس الربوبية: إيجادا أو عناية على جنس الألوهية شرعا وأحكاما.

ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا: وذلك أيضا من الإلهام، إذ هو أمر داخل في حد تفسير الوحي المجمل الذي صدرت به الآية.

يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ: ففي المضارع نوع استحضار للصورة، وهذا بمقام المنة أليق، فضلا عن دلالة المضارع على التجدد والاستمرار فهو أمر يتكرر وفق سنة كونية محكمة، وتنوع الشراب لونا مئنة من قدرة الرب، جل وعلا، الذي نوع في الكائنات أقدارا وأوصافا، فذلك من أوصاف الربوبية التي بها خلقت الأضداد، على نحو تستقيم معه الحياة فلا تعارض بينها بل الضد لضده مكمل، ولو على حد بيانه، إذ بضدها تتميز الأشياء، فالشر معرف للخير، وإن لم يكن مرادا شرعيا، والمر معرف للحلو وإن لم يكن مرادا ذوقيا.

فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ: تقديم ما حقه التأخير مئنة من التوكيد فضلا عن دلالة التنكير على التعظيم فهو شفاء تام بإذن الله عز وجل: الشافي الذي يشفي الأبدان بأدوية الكون ويشفي الصدور بأدوية الشرع.

.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير