ثم جاء التذييل بالمراد لذاته كما اطرد في دلالة آيات الربوبية على أحكام الألوهية وخص حكم التدبر والتفكر بالذكر في هذا السياق إذ هو الملائم لما تقدم بيانه من الآيات الكونيات الباهرات التي لا ينتفع بها إلا أصحاب العقول الصحيحة التي يسمع أصحابها على حد التدبر فـ: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، بخلاف من لا يتفكر فليس له في ذلك آية إذ آلة التدبر عنده معطلة، وإن كانت آلة السمع والعقل عنده مكملة.
والله أعلى وأعلم.
ـ[مهاجر]ــــــــ[15 - 09 - 2009, 09:49 ص]ـ
ومن قوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (70) وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ).
ففيه التوكيد على دلالة الإيجاد بتكرار الفاعل على ما اطرد في الجمل الخبرية التي يكون المسند فيها فعلا استتر فيه ضمير فاعله فهو هنا: "خلقكم" والضمير المستتر فيه تقديره: "هو" وهو عائد على المبتدأ: الفاعل المعنوي فهو الرابط بين جملة الخبر والمبتدأ.
ومع الإيجاد: الإعدام المتراخي لدلالة: "ثم" الوضعية، وذلك جار على حد ما تقدمت الإشارة إليه مرارا، من عموم ربوبية الباري، عز جل، فهو الخالق للشيء وضده، والفاعل للأمر وضده على حد الكمال المطلق فيظهر من ذلك من أوصاف كماله: جمالا وجلالا، ما يدل لزوما عقليا لا انفكاك بين حديه، على استحقاقه كمال التأله، فوصف الإيجاد متعلق أوصاف جماله فهو الذي امتن بالبرئ والتصوير في أحسن صورة، ووصف الإعدام متعلق أوصاف جلاله فهو الذي أعدم بعد الإيجاد إظهارا لمعنى اسمه الآخر، فكل ما سواه فان له آخر، وما خلود المنعمين والمعذبين في دار الجزاء إلا فرع عن إبقائه، فليس لهم الآخرية المطلقة، وإن كانت أزلية لا انتهاء لها، إذ بقاؤها من بقاء مبقيها، جل وعلا، الذي أمدها بأسباب البقاء الدائم وقطع عنها أسباب الفناء.
وفي قوله: وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا: إمعان في تقرير ما تقدم من عموم ربوبيته إذ نوع بمقتضى قدرته وحكمته في أحوال عباده، فمنهم من يموت صغيرا، ومنهم من يرد إلى أرذل العمر فيختلط، ومنهم من يرد إليه فيتغير ولا يختلط، ومنهم من يرد إليه فيبقى ببركة الاستقامة حال الشباب والصحة: كامل القوى الذهنية، فحفظه كما كان، بل قد يزيد، وهمته، كما أثر عن ابن عقيل، رحمه الله، همة العشرين وإن كان في الثمانين، ومنهم من يموت طريحا، ومنهم من يموت قتيلا، بل القتيل تختلف أحواله، فمنهم من يموت بالسيف ومنهم من يموت بالخنق ومنهم ومنهم ........ إلخ، فذلك جار على ما تقرر من تنويع المقادير إمعانا في تقرير قدرة الرب، جل وعلا، وحكمته، ولذلك ذيل بقوله: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ، فهو عليم بمقادير عباده الكونية أزلا، عليم بالمقادير الشرعية التي تصلح بها أحوالهم، فلازم ذلك كمال الحكمة، وهو القدير على حد المبالغة فله القدرة التامة على إنفاذ قدره بمقدوراته: خيرا أو شرا في مخلوقاته، فقدره هو: قدرته على إنفاذ المقادير كما أثر ذلك عن أحمد رحمه الله.
ومن التنويع في المقادير أيضا: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ: التنويع في الأرزاق: أقدارا وأوصافا، فمنهم من امتن عليه بالرزق الواسع ومنهم من ابتلاه بضيق المعاش، ومنهم من امتن عليه بتيسير أسباب الحلال، ومنهم من عاقبه فحجب عنه أسباب الحلال الطيب ويسر له أسباب الحرام الخبيث سواء كان ذلك في المآكل أو المشارب أو المناكح فكلها من جملة ما رزق جل وعلا. فمنها الطيب ومنها الخبيث، فيرزق من شاء الطيب فضلا منه وامتنانا ويبتلي من شاء بخبيث المطعم والمشرب والمنكح عدلا منه واقتدارا، فكما رزق من حلال، فهو الرازق بقدره الكوني من الحرام، وإن خالف أمره الشرعي فقدرته قد عمت كل المقدورات، ووصف الرزق، وهو من أوصاف أفعاله المتعلقة بمشيئته النافذة، قد عم كل المرزوقات: طيبات كانت أو خبيثات.
ثم امتن الله، جل وعلا، في معرض بيان دلالة عنايته بالخلق، امتن بخلق الأزواج وإخراج الذرية من بنين وحفدة:
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً: فـ: "من" في كليهما لابتداء الغاية.
وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ: فامتن بإيجاد الأبدان، وامتن بمدد الرزق الذي به تصلح، فله تمام المنة إيجادا للأعيان، وإعدادا لقواها لتقبل آثار نعمه الكونية المتتالية، وإمدادا بما تنتفع به تلك القوى من الطيبات.
ومن ثم جاء التذييل، كما اطرد في التنزيل، ببيان الغاية المرادة لذاتها، فجاءت هذه المرة في سياق الاستفهام الإنكاري التوبيخي:
أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ. ولو قدر محذوف على تقدير نحو: أفسدت عقولهم فبالباطل يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ لكان ذلك أبلغ في التقريع والتوبيخ في معرض إبطال الكفران وتقرير ضده من الإيمان على حد اللزوم العقلي.
والله أعلى وأعلم.
¥