تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ـ[مهاجر]ــــــــ[16 - 09 - 2009, 08:33 ص]ـ

ومن قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (73) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (74) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (75) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَم لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)

فجاء التذييل بذكر ما هم عليه من فساد العمل فرعا عن فساد العلم، فإنهم صرفوا العبادة لمن لا يملك من رزق الأبدان أو الأرواح شيئا، فإن آلهتهم: آلهة مجردة من قوى الفعل بل من قوى الحس، فهي جماد لا ينطق، أو موات لا يسمع، أو عقول مظلمة قد صادمت الطريقة الشرعية بنحاتتها الردية، فلا تتصرف في الكون بالتأثير أو التسيير، وليس لها من الحكمة الكونية ما تدبر به الكون، وليس لها من الحكمة الشرعية ما تصلح به حال عابديها، فهي عن وصف الرزق معطلة، إذ هي مربوبة مفتقرة إلى من يرزقها، بل إلى من يحييها من موتتها!، فكيف يكون لها من وصف الغنى ما يصح جعله دليل عناية كدليل عناية الرب، جل وعلا، بعباده، وإن كانوا كفارا معرضين، وهل ذلك إلا عين الظلم بالتسوية بين الرب الغني والمربوب الفقير؟!.

فعلمهم فاسد إذ اعتقدوا الكمال فيما هو بعين النقصان متلبس، فصدر عنه فساد في العمل عريض، إذ صرفوا من أجناس التأله لتلك المعبودات الباطلة ما لا يصرف إلا للمعبود بحق جل وعلا.

ثم جاء النهي عن ضرب الأمثال: (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) على حد قياس الشمول أو التمثيل الذي يقاس فيه الخالق، عز وجل، على المخلوق، في حقائق الأوصاف فرعا عن تلاقي ألفاظها ومعانيها الكلية المجردة في الأذهان، فيصير سمع الباري، عز وجل، مع ما له من وصف الكمال على حد سمع المخلوق المربوب مع ما له من وصف النقصان، لمجرد الاشتراك في اللفظ الدال على الوصف فمادته واحدة: السين والميم والعين، والمعنى الكلي المجرد الذي لا يمنع تصوره وقوع الشركة فيه، فهو من الكليات المطلقة التي لا توجد خارج الذهن ليصح التشنيع على مثبتها بأنه مشبه للرب جل وعلا، بخلقه، بل لا توجد إلا مقيدة بمن قامت به قيام الصفة بالموصوف، فهي فرع عنه، ولكلٍ قدره، فوصف الباري، عز وجل، فرع عن كمال ذاته القدسية، ووصف المخلوق فرع عن نقصان ذاته الأرضية، وهذا أصل جليل في باب الصفات الإلهية سبقت الإشارة إليه في أكثر من مناسبة فعليه تجري كل الصفات المشتركة اللفظ والمعنى الكلي بين الخالق، عز وجل، والمخلوق.

وعلة ذلك كما ذكر أبو السعود رحمه الله: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ: ولذلك حسن الفصل على ما اطرد من شبه كمال الاتصال بين المعلول وعلته، وفي طباق السلب بين: "يَعْلَمُ" و: "لَا تَعْلَمُونَ": زيادة توكيد لكمال علم الرب في معرض مقابلته بنقص علم العبد، فالقياس إنما يصح إذا أدرك العقل الأصل والفرع، والفرع في قياس التمثيل والشمول في باب الإلهيات هو: ذات الله، عز وجل، وصفاته الكاملات جلالا وجمالا، وذلك مما لا يتصور إدراك العقل القاصر له فإن الشيء إنما يعرف برؤيته أو رؤية نظيره أو خبر صادق عنه، وكل أولئك في حق الله، عز وجل، في دار الابتلاء: محال، فلا تراه العيون إلا في الجنان على حد التمتع لا الإحاطة فلا تتصور إحاطة مخلوق بالخالق الأول الآخر عز وجل.

ثم جاء ضرب المثل بقياس الأولى فهو القياس الوحيد الجائز في حق الله، عز وجل، على حد قوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، فله المثل الأعلى في أوصاف جلاله التي منها العزة التي دل عليها اسم العزيز تضمنا، وله المثل الأعلى في أوصاف جماله التي منها الحكمة التي دل عليها اسم الحكيم تضمنا.

وحاصل هذا القياس: أن كل كمال ورد به النص ثبت للمخلوق على حد الكمال المطلق فهو ثابت لله، عز وجل، من باب أولى، إذ الخالق أكمل من المخلوق بداهة، وخالق الكمال ومبدعه، أولى بالاتصاف به بداهة.

وحاصل المثل الأول: أن التسوية بين الحر والعبد مع كونهما مربوبين لله، عز وجل، تسوية بين متباينين، فهي على حد القياس العقلي الصريح غير جارية، فعدم جريانها أولى إذا كانت التسوية بين الرب، جل وعلا، مالك الملك، والعبد المملوك المربوب الخاضع لأمره الكوني المكلف بالتزام وحيه الشرعي على حد الإلزام فلا خيرة له.

وحاصل المثل الثاني: أن التسوية بين القادر والكل العاجز، مع كونهما، أيضا، مربوبين، مما يأباه القياس العقلي الصريح، فكيف بالتسوية بين الرب المدبر، جل وعلا، بقدرة نافذة وحكمة بالغة، فله من ذلك منتهى الكمال، والمربوب العاجز عن تدبير أمر نفسه، بل عن تدبير سبب بقائه من مطعوم أو مشروب إلا أن ييسره الله، عز وجل، له بمقتضى فضله ولو شاء لحجبه عنه بمقتضى عدله.

فظهر من ذلك عجز الآلهة الباطلة عن العناية بعبادها، إذ هي عاجزة عن العناية بنفسها ابتداء فكيف بمن عداها، فظهور عجزها عن العناية بغيرها ثابت من باب أولى وهذا أيضا من القياس الأولوي الصحيح.

والله أعلى وأعلم.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير