ـ[مهاجر]ــــــــ[18 - 09 - 2009, 08:19 ص]ـ
ومن قوله تعالى: (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (77) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ):
فله، عز وجل، من علم الغيب ما اختص به، إذ الغيب المطلق مما استأثر به فلا يعلم ما في أصلاب الرجال وأرحام النساء ودقائق الكائنات على حد التفصيل من المبدأ إلى المنتهى، إلا الله، عز وجل، وعنده علم الساعة على حد الاختصاص ولذلك أبهم على المخاطب بـ: "أو": فهي كلمح بالبصر في وقوعها، ولذلك ذيل بوصف القدرة العامة على كل الممكنات، أو في قربها بالنسبة إلى الرب، جل وعلا، على حد قوله تعالى: (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) كما أشار إلى ذلك صاحب "أضواء البيان" رحمه الله.
ثم ذكر الله، عز وجل، إخراج البرية من الأرحام على حد الإيجاد الأول، فالعناية، إذ ركب فيهم قوى السمع والبصر والفؤاد فحصلوا بها من العلوم والمعارف ما ارتفع به عنهم وصف الجهالة، فمنته عليهم بإيجاد الأبدان وعنايتهم بهم بتركيب تلك الآلات، فبها اكتسبوا كمالا كانوا عنه عراة، بخلاف وصف كمال الرب، جل وعلا، الأزلي الأبدي، فهو لذاته القدسية لازم لا ينفك عنها فمنه صدرت أفعاله فجاءت على حد الغاية والمنتهى من الكمال.
وعلة ذلك أيضا: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: بالتزام الشرع قلبا ولسانا وجارحة، فذلك غاية تقرير دلائل الربوبية: إيجادا وعناية.
ثم انتقل السياق إلى الآيات الآفاقية:
أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ: فالاستفهام إنكاري توبيخي لمن أعرض عن مطالعة دلائل القدرة الربانية في الآفاق، فالطير مسخرات في الفضاء ما يمسكهن من السقوط إلا الرحمن، جل وعلا، بما ركب فيهن من آلات الطيران، فذلك من بديع صنعه الذي لم يقدر البشر إلا على محاكاته فجاء صنعهم آلة صماء بكماء إذا أصابتها الأعطال لم تستجب إلا بقدر ما ركب العقل البشري القاصر فيها من قوى ميكانيكية بخلاف القوى الربانية التي ركبها الباري، عز وجل، في الطير، فبها يميل ويناور وعلة ذلك أيضا:
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا: فتلك نعمة المأوى، فهو سكن يسكن فيه المتحرك على حد الراحة والاستجمام، فلا يجد المرء راحته إلا في بيته، أو يفترض ذلك!.
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ: فتلك نعمة ما تصنع منه المساكن وما يصنع منه أثاثها وهو جار على حد ما كانت العرب تعهده، فجاء الخطاب مراعيا لمقتضى الحال على حد قوله تعالى: (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ)، فتلك دلائل الكون المشهودة في بيئتهم الصحراوية.
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ: فتلك نعمة الوقاية من تقلب الأجواء، فأنعم الله، عز وجل، على العباد بما يقيهم ذلك من البيوت التي تكنهم، والسرابيل التي تقي الأجساد من الحر والبرد، والدروع السابغات التي تقي لابسها يوم الكريهة.
وعلة ذلك: كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ.
والله أعلى وأعلم.
ـ[مهاجر]ــــــــ[19 - 09 - 2009, 09:02 ص]ـ
ومن قوله تعالى:
¥