تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا: فاستفهموا على حد الإنكار الإبطالي، ولا يخلو من شوب تهكم، وذلك من فساد التصور بمكان إذ أهملوا دلالة الإيجاد الأول فهي مئنة من الإيجاد الثاني على حد قياس الأولى، على وزان قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

فمن أنشأ من العدم قادر على الإعادة ببعث الأجساد ونشرها من باب أولى.

وجاء الرد لتلك المقالة الباطلة بالأمر الذي أفاد التسوية كما أشار إلى ذلك صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله: قل كونوا: فسواء أكنتم أجسادا حية حساسة متحركة أم أجسادا جامدة ساكنة، فبعثكم فرعا عن إيجادكم الأول كائن لا محالة فهو ضرورة عقلية وشرعية

وفي قولهم: فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا: نوع تهكم، فهو من باب تجاهل العارف جحودا ونكرانا، فجاء الرد ببرهان عقلي دامغ:

قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ: فمن أوجد على حد الفطر الأول على غير مثال سابق هو الذي سيعيد الخلق تارة أخرى، وذلك، كما تقدم، جار على سنن القياس الأولوي الذي لا تنكره إلا العقول المضطربة، إذ هو من البيان بمكان.

ومن دلالة العناية في ذات السياق:

رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا: فأجرى الريح لتسوق الفلك سوقا بطيئا، فذلك مما تستقيم به حياة البشر بنقل الأجساد والمؤن بين الموانئ والمراسي البحرية.

وجاء الخبر: جملة اسمية مئنة من الاستمرار والتجدد فهو من وصف فعله، جل وعلا، الذي تعلق بمشيئته النافذة فإن شاء أجرى الريخ وإن شاء أركدها، على حد قوله تعالى: (إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ).

فأجرى الفلك ليبتغي العباد عنده الرزق فهو من فضله، وذيل بوصف الرحمة على حد التعليل، فحسن الفصل، فمن تمام عنايته بكم أن ظهرت آثار صفات جماله في العالم المشهود سننا كونية جارية تحفظ نظام الحياة على وجه الالتئام والاتساق، فضلا عن الأسباب المغيبة التي لا نراها وهي لنا حافظة، فالكون بأسبابه المشهودة والمغيبة لابن آدم مسخر، مع عظم جحوده ونكرانه، فقد قابل نعمة الرب الكونية بمخالفة أوامره الشرعية التي هي عند التحقيق من جنس نعمه الربانية المتتالية، فالشرع المنزل خير وبركة، ففي اتباعه النجاة إذ الخير اسم جامع لكل أجناس المنفعة، والبركة: اسم جامع لكل أوصافها، وفي مخالفته: الهلكة، فتركه إلى غيره: شر وشؤم على التارك، فله من الأسماء الجامعة لأجناس وأوصاف المضرة ما هو على الضد مما من الأسماء الجامعة لأجناس وأوصاف المنفعة، فالقياس: مطرد منعكس، وذلك من كمال حكمته، جل وعلا، فلا اضطراب ولا تناقض في أحكامه الكونية التي تستقيم بها الأعيان، ولا أحكامه الشرعية التي تستقيم بها الأفعال، فالقدر الكوني متصرف في الأعيان إيجادا وعدما، على الحد الذي تقع به أعظم المصالح للبشر، فذلك من الحكمة الربانية الباهرة، والقدر الشرعي حاكم على أفعالهم تحليلا وتحريما، على ذات الحد، فما بعثت الرسل عليها السلام وما أنزلت الكتب إلا لتحصيل أعظم المصالح التي اعتبرها الشارع، عز وجل، وأشرفها: جنس التوحيد الخالص، وتلك زبدة الرسالات السماوية، وهو تمام نعمته السابغة على عباده: شرعا وكونا، فالحمد لله الذي أوجد الأعيان على هذا الحد من الإتقان، وشرع لها ما يصلح حالها من سنن وشرائع الإيمان، فنعمته قد عمت الروح والجسد، وفضله قد شمل الباطن علما نافعا، والظاهر عملا صالحا، فهو الواهب لآلات التكليف من سمع وبصر وفؤاد، وهو الحافظ لها بما قدر من أجناس الغذاء، وهو المزكي لها بما نزل به وحي السماء، فأي نعمة أعظم وأسبغ من ذلك؟!، وكيف لمن علم ذلك أن يعرض عن توحيد الملك المدبر، جل وعلا، إلا أن يكون ممن شاء الله، عز وجل، الختم على قلبه بختم الكون النافذ، فلا يهتدي على حد التوفيق والسداد وإن حصل له من هداية البيان ما حصل، فالكفر، مع

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير